ﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛ

؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ، وَأَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَمْلِكُونَ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ بِالْقَهْرِ، ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ حَقًّا إِلَّا أَنَّ أَخْذَهُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْرِضِ الْمُقَارَنَةِ لِلنِّهَايَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتُهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: لَوْ أَنْزَلْنَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُنْزِلْهُ، وَأَنَّهُ ذُكِرَ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ؛ لِيَتَفَكَّرَ النَّاسُ فِي أَمْرِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى الْآيَةَ [١٣ ٣١].
قَالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ - عِنْدَهَا: جَوَابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: تَقْدِيرُهُ لَكَانَ هَذَا الْقُرْآنُ... إِلَخْ. اهـ.
وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يَقُولُ تَعَالَى مُعَظِّمًا لِأَمْرِ الْقُرْآنِ، وَمُبَيِّنًا عُلُوَّ قَدْرِهِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَخْشَعَ لَهُ الْقُلُوبُ وَتَتَصَدَّعَ عِنْدَ سَمَاعِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْوَعْدِ الْحَقِّ وَالْوَعِيدِ الْأَكِيدِ: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ الْآيَةَ [٥٩ ٢١].
فَإِذَا كَانَ الْجَبَلُ فِي غِلْظَتِهِ وَقَسَاوَتِهِ لَوْ فَهِمَ هَذَا الْقُرْآنَ فَتَدَبَّرَ مَا فِيهِ لَخَشَعَ وَتَصَدَّعَ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكُمْ أَيُّهَا الْبَشَرُ أَلَّا تَلِينَ قُلُوبُكُمْ، وَتَخْشَعَ، وَتَتَصَدَّعَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَقَدْ فَهِمْتُمْ عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ وَقَدْ تَدَبَّرْتُمْ كِتَابَهُ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [٥٩ ٢١].
وَقَدْ وُجِدَ لِبَعْضِ النَّاسِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ سَمَاعِ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ، مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي سُورَةِ «الطُّورِ» عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: خَرَجَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَعُسُّ بِالْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَمَرَّ بِدَارِ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَوَافَقَهُ قَائِمًا يُصَلِّي فَوَقَفَ يَسْتَمِعُ قِرَاءَتَهُ فَقَرَأَ: وَالطُّورِ [٥٢ ١] حَتَّى بَلَغَ: إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ [٥٢ ٧ - ٨] قَالَ: قَسَمٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ حَقٌّ، فَنَزَلَ عَنْ حِمَارِهِ وَاسْتَنَدَ إِلَى حَائِطٍ فَمَكَثَ مَلِيًّا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَمَكَثَ شَهْرًا يَعُودُهُ النَّاسُ لَا يَدْرُونَ مَا مَرَضُهُ.

صفحة رقم 62

وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ؛ لِأَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أُسَارَى بَدْرٍ فَوَافَيْتُهُ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالطُّورِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ، فَكَأَنَّمَا صَدَعَ قَلْبِي فَأَسْلَمْتُ خَوْفًا مِنْ نُزُولِ الْعَذَابِ، وَمَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ أَقُومَ مِنْ مَقَامِي حَتَّى يَقَعَ بِي الْعَذَابُ.
وَذُكِرَ فِي خَبَرِ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَهَا فَجَعَلَ يَضْطَرِبُ حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ.
وَقَدْ نَقَلَ السُّيُوطِيُّ فِي الْإِتْقَانِ خَبَرَ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ بِتَمَامِهِ فِي فَصْلِ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ.
وَقَالَ: قَدْ مَاتَ جَمَاعَةٌ عِنْدَ سَمَاعِ آيَاتٍ مِنْهُ أُفْرِدُوا بِالتَّصْنِيفِ، وَقَدْ يَنْشَأُ هُنَا سُؤَالٌ كَيْفَ يَكُونُ هَذَا تَأْثِيرُ الْقُرْآنِ لَوْ أُنْزِلَ عَلَى الْجِبَالِ وَلَمْ تَتَأَثَّرْ بِهِ الْقُلُوبُ؟ وَقَدْ أَجَابَ الْقُرْآنُ عَنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [٢ ٧٤]، وَكَذَلِكَ أَصَمُّوا آذَانَهُمْ عَنْ سَمَاعِهِ، وَغَلَّفُوا قُلُوبَهُمْ بِالْكُفْرِ عَنْ فَهْمِهِ، وَأَوْصَدُوهَا بِأَقْفَالِهَا فَقَالُوا: قُلُوبُنَا غُلْفٌ [٢ ٨٨]، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا [١٨ ٥٧] أَيْ: بِسَبَبِ الْإِعْرَاضِ وَعَدَمِ التَّدَبُّرِ وَالنِّسْيَانِ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُمْ: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [٤٧ ٢٤] فَهَذِهِ أَسْبَابُ عَدَمِ تَأَثُّرِ الْكَفَّارِ بِالْقُرْآنِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْءِ عَيْنٌ صَحِيحَةٌ فَلَا غَرْوَ أَنْ يَرْتَابَ وَالصُّبْحُ مُسْفِرُ
وَيُفْهَمُ مِنْهُ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ تَخْشَعُ قُلُوبُهُمْ، وَتَلِينُ جُلُودُهُمْ، كَمَا نَصَّ تَعَالَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ [٣٩ ٢٣]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَوْ أَنْزَلْنَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُنْزِلْهُ عَلَى جَبَلٍ وَلَمْ يَتَصَدَّعْ مِنْهُ.
وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَوْ أَنْزَلَهُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا [٣٣ ٧٢].
وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ لِأَنَّ الْجِبَالَ أَشْفَقَتْ مِنْ حَمْلِ الْأَمَانَةِ وَهِيَ أَمَانَةُ التَّكْلِيفِ بِمُقْتَضَى

صفحة رقم 63

خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهَا.
فَإِذَا كَانَتِ الْجِبَالُ أَشْفَقَتْ لِمُجَرَّدِ الْعَرْضِ عَلَيْهَا فَكَيْفَ بِهَا لَوْ أُنْزِلَ عَلَيْهَا وَكُلِّفَتْ بِهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا تَجَلَّى لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا، وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا، وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، فَهُوَ شَاهِدٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَصًّا.
وَمِنْهَا النَّصُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْجِبَالِ الَّتِي هِيَ الْحِجَارَةُ لَيَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [٢ ٧٤].
وَقَدْ جَاءَ فِي السُّنَّةِ إِثْبَاتُ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ فِي جَبَلِ أُحُدٍ، حِينَمَا صَعِدَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَارْتَجَفَ بِهِمْ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اثْبُتْ أُحُدُ؛ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ، وَصِدِّيقٌ، وشَهِيدٌ».
وَسَوَاءٌ كَانَ ارْتِجَافُهُ إِشْفَاقًا أَوْ إِجْلَالًا فَدَلَّ هَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى وَإِنْ لَمْ يَنْزِلِ الْقُرْآنُ عَلَى جَبَلٍ أَنَّهُ لَوْ أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ لَرَأَيْتَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ.
وَبِهَذَا أَيْضًا يَتَّضِحُ أَنَّ جَوَابَ (لَوْ) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ [١٣ ٣١] لَكَانَ هَذَا الْقُرْآنَ أَرْجَحُ مِنْ تَقْدِيرِهِمْ لَكَفَرْتُمْ بِالرَّحْمَنِ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ تَسْيِيرِ الْجِبَالِ وَخُشُوعِهَا وَتَصْدِيعِهَا وَاحِدٌ، وَهُوَ الَّذِي قَدَّمَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ - هُنَاكَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.
الْأَمْثَالُ: جَمْعُ مَثَلٍ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمَثَلِ، وَأَصْلُ الْمَثَلِ الِانْتِصَابُ، وَالْمُمَثَّلُ بِوَزْنِ اسْمِ الْمَفْعُولِ الْمُصَوَّرِ عَلَى مِثَالِ غَيْرِهِ.
قَالَ الرَّاغِبُ الْأَصْفَهَانِيُّ، يُقَالُ: مَثُلَ الشَّيْءِ إِذَا انْتَصَبَ وَتَصَوَّرَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ الرِّجَالُ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، وَالتِّمْثَالُ: الشَّيْءُ الْمُصَوَّرُ، وَتَمَثَّلَ كَذَا تَصَوَّرَ قَالَ تَعَالَى: فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا [١٩ ١٧].

صفحة رقم 64

وَالْمَثَلُ: عِبَارَةٌ عَنْ قَوْلٍ فِي شَيْءٍ يُشْبِهُ قَوْلًا فِي شَيْءٍ آخَرَ بَيْنَهُمَا مُشَابَهَةٌ؛ لِيُبَيِّنَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ وَيُصَوِّرَهُ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: الصَّيْفُ ضَيَّعَتِ اللَّبَنَ، فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ يُشْبِهُ قَوْلَكَ: أَهْمَلْتَ وَقْتَ الْإِمْكَانِ أَمْرَكَ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَا ضَرَبَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْأَمْثَالِ فَقَالَ: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [٥٩ ٢١].
وَفِي آيَةٍ أُخْرَى: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [٢٩ ٤٣].
وَالْمِثَالُ يُقَالُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: بِمَعْنَى الْمَثَلِ نَحْوَ مُشَبَّهٍ وَمُشَبَّهٍ بِهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَقَدْ يُعَبَّرُ بِهِمَا عَنْ وَصْفِ الشَّيْءِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ.
وَالثَّانِي: عِبَارَةٌ عَنِ الْمُشَابَهَةِ لِغَيْرِهِ فِي مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي أَيِّ مَعْنًى كَانَ، وَهُوَ أَعَمُّ الْأَلْفَاظِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْمُشَابَهَةِ.
وَذَلِكَ أَنَّ النِّدَّ يُقَالُ فِيمَا يُشَارِكُ فِي الْجَوْهَرِ فَقَطْ.
وَالشَّبَهُ يُقَالُ فِيمَا يُشَارِكُ فِي الْكَيْفِيَّةِ فَقَطْ.
وَالْمُسَاوِي يُقَالُ فِيمَا يُشَارِكُ فِي الْكَمِّيَّةِ فَقَطْ.
وَالشَّكْلُ يُقَالُ فِيمَا يُشَارِكُ فِي الْقَدْرِ وَالْمِسَاحَةِ فَقَطْ، وَالْمَثَلُ عَامٌّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
وَلِهَذَا لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى نَفْيَ التَّشْبِيهِ مِنْ كُلِّ وَجْهِ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ فَقَالَ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [٤٢ ١١]... إِلَخْ. اهـ.
فَقَوْلُهُ فِي تَعْرِيفِ الْمَثَلِ إِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ قَوْلٍ فِي شَيْءٍ يُشْبِهُ قَوْلًا فِي شَيْءٍ آخَرَ، بَيْنَهُمَا مُشَابَهَةٌ؛ لِيُبَيِّنَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ وَيُصَوِّرَهُ.
فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ لَا يَتَغَيَّرُ بَلْ يُحْكَى عَلَى مَا قِيلَ أَوَّلًا كَقَوْلِهِمْ: الصَّيْفُ ضَيَّعَتِ اللَّبَنَ بِكَسْرِ التَّاءِ خِطَابًا لِلْمُؤَنَّثَةِ.
فَلَوْ قِيلَ لِرَجُلٍ أَهْمَلَ وَقْتَ الْإِمْكَانِ ثُمَّ رَاحَ يَطْلُبُهُ بَعْدَ فَوَاتِهِ، لَقُلْتَ لَهُ: الصَّيْفُ ضَيَّعَتِ اللَّبَنَ بِكَسْرِ التَّاءِ عَلَى الْحَكَايَةِ.

صفحة رقم 65

وَهَذَا مِمَّا يُسَمَّى الِاسْتِعَارَةُ التَّمْثِيلِيَّةُ مِنْ أَبْلَغِ الْأَسَالِيبِ، وَأَكْثَرُ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَمْثِلَةٍ إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ التَّشْبِيهِ التَّمْثِيلِيِّ، وَهُوَ تَشْبِيهُ صُورَةٍ بِصُورَةٍ، وَهُوَ مِنْ أَوْضَحِ أَسَالِيبِ الْبَيَانِ.
وَقَدْ سَاقَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ - عَدَدًا مِنْهَا فِي الْجُزْءِ الرَّابِعِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [١٨ ٥٤]، وَمِنْ أَهَمِّ أَغْرَاضِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ التَّشْبِيهِ هُوَ بَيَانُ صُورَةٍ بِصُورَةٍ وَجَعْلُ الْخَفِيِّ جَلِيًّا، وَالْمَعْنَوِيَّ مَحْسُوسًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ [١٣ ١٤].
فَلَوْ نَظَرْتَ إِلَى مَثَلِ هَذَا الشَّخْصِ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، وَفِي تِلْكَ الصُّورَةِ بِكُلِّ أَجْزَائِهَا، وَهُوَ بَاسِطٌ يَدَهُ مُفَرَّجَةً الْأَصَابِعَ إِلَى مَاءٍ بَعِيدٍ عَنْهُ، وَهُوَ فَاغِرٌ فَاهُ؛ لِيَشْرَبَ، لَقُلْتَ: وَأَيُّ جَدْوَى تَعُودُ عَلَيْهِ، وَمَتَى يَذُوقُ الْمَاءَ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ، إِنَّهُ يَمُوتُ عَطَشًا وَلَا يَذُوقُ مِنْهُ قَطْرَةً.
وَكَذَلِكَ حَالُ مَنْ يَدْعُو غَيْرَ اللَّهِ مَعَ مَا يَدْعُوهُمْ مِنْ دُونِهِ لَا يَحْصُلُ عَلَى طَائِلٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [٢٩ ٤١] فَأَيُّ غَنَاءٍ لِإِنْسَانٍ فِي بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ.
وَكَذَلِكَ أَيُّ غَنَاءٍ فِي وَلَايَةِ غَيْرِ اللَّهِ فَكَذَلِكَ الْحَالُ هُنَا، أُرِيدَ بِالْأَمْثَالِ صَوَّرَ يُصَوِّرُ لِانْتِزَاعِ الْحُكْمِ مِنَ السَّامِعِ بَعْدَ أَنْ تُصْبِحَ الصُّورَةُ مَحْسُوسَةً مَلْمُوسَةً، وَانْظُرْ قَوْلَهُ تَعَالَى: هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [٢ ١٨٧] وَكَيْفَ غَطَّى وَأَخْفَى فِي هَذَا الْأُسْلُوبِ مَا يُسْتَحَى مِنْهُ وَأَبْرَزَهُ بِلِبَاسِهِ فِي التَّشْبِيهِ بِمَا يُتَّقَى بِهِ، وَمَدَى مُطَابَقَةِ مَعْنَى اللِّبَاسِ لِحَاجَةِ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ، وَتِلْكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ [٥٩ ٢١] عَائِدَةٌ إِلَى الْأَمْثِلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ قَرِيبًا فِي عَمَلِ الْمُنَافِقِينَ مَعَ الْيَهُودِ وَنَتَائِجِ أَعْمَالِهِمْ، وَهَكَذَا كُلُّ مُوَالَاةٍ بَيْنَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ وَكُلُّ مُعَادَاةٍ وَانْصِرَافٍ عَمَّا جَاءَ بِهِ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَكَذَلِكَ فِي بَيَانِ مَدَى فَعَالِيَّةِ الْقُرْآنِ وَتَأْثِيرِهِ، لَوْ أُنْزِلَ عَلَى الْجِبَالِ؛ لَخَشَعَتْ، وَتَصَدَّعَتْ مِمَّا يَسْتَوْجِبُ التَّفْكِيرَ فِيهِ وَالِاتِّعَاظَ بِهِ، ثُمَّ مِثَالُ الْفَرِيقَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:

صفحة رقم 66

أضواء البيان

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي

سنة النشر 1415
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية