إِنما ينهاكم اللهُ عن موالاة الذين قاتلوكم في الدين وأَخْرَجوكم من دياركم ، وهم عتاة أهل مكة، وظاهَرُوا أي : عاوَنُوا على إِخراجكم وهم سائر أهلها، أن تَوَلَّوْهم : بدل اشتمال من الموصول، والمعنى : لا ينهاكم عن مبرة مَن لم يتعرّض لكم، إنما ينهاكم عمّن أذاكم أن تَولَّوهُم ومَن يتولهمْ فأولئك هم الظالمون حيث وضعوا التولي في غير موضعه.
الإشارة : لا ينهاكم الله عن النفوس المطيعة، التي لم تصدكم عن السير إلى الحضرة، أن تبرُّوا بها، وترفقوا بها، إنما ينهاكم عن النفوس الفاجرة، التي قاتلتكم، وصدّتكم عن الحضرة، وأخرجتكم عن دائرة الولاية، باتباع هواها أن تولوها، وتسعوا في حظوظها وهواها، ومَن يتولها، وبقي في رِقَّها ؛ فقد ظلم نفسه وبخسها، حيث حرمها نعيمَ الحضرة، أو : لا ينهاكم الله عن بعض العامة، التي لا مضرة فيهم، أن تبرهم بالوعظ والتذكير، وتُقسطوا إليهم بقول الإحسان، إنما ينهاكم عن أهل الإنكار المخالفين لكم، من الجبابرة الغافلين، والقراء المداهنين، والعلماء المتجبرين، والفقراء الجاهلين، أن تولوهم ؛ فإنَّ مخالطتهم سم قاتل للمريد، ومَن يتولهم لا يُفلح أبدًا.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي