الآية ٩ وقال في ما نهى : إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظهروا على إخراجكم أن تولوهم [ الآية ٩ ].
ومعلوم أنه قد يجوز أن نبر من لا يجوز ألا نتولاه. ألا ترى إلى قوله : وصاحبهما في الدنيا معروفا ؟ [ لقمان : ١٥ ].
ثم نهى عن تولي الكفار بقوله : لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ولكنه لما جاز أن يجتمع في نفس واحدة البر وترك التولي، فكذلك جاز أن تؤمر بالبر وتنهى ١عن التولية٢ معه، والله أعلم.
ثم قوله تعالى : لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين يحتمل أن يكون المراد منه لا ينهاكم بل يأمركم، ويحتمل أن يكون معناه : يرخص لكم كقوله : فما ربحت تجارتهم [ البقرة١٦ ] ومعناه بل خسرت، وإن كان، قد يجوز أن تكون التجارة إذا لم تربح، لا تخسر، فكذلك قوله تعالى : لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين بل يأمركم أن تبروهم، ويحتمل أن يكون المراد بل يرخص لكم أن تبرّوهم، والله اعلم.
ثم اختلفوا في من أمر ببرّهم ونهى [ عن تركهم ]٣فقال بعضهم : هم المستضعفون من أهل مكة الذين آمنوا في السر، وخشوا [ إظهار إيمانهم ]٤من المشركين، فأمر الله تعالى المؤمنين بالمدينة أن يبروهم بالكتاب إليهم، ليحتالوا في قياد أنفسهم، لأن المشركين من أهل مكة إذا علموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهر لقتالهم كان يجوز أن يخشى على أولئك المؤمنين المستضعفين، فأمر هؤلاء أن يبروهم بالكتاب إليهم، ليتأهّبوا في أنفسهم ويحتالوا لما يخشى عليهم من المشركين والله أعلم.
وقال بعضهم : هذا في الذين كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد وذمة، فأمر المؤمنين أن يبروا أولئك في إبقاء عهودهم إلى مدتهم، ونهاهم على أن يتولوا من قاتلهم، ونقض عهدهم.
وقال بعضهم :[ هذا ]٥ في النساء والولدان من المشركين، أمر المؤمنين أن يبروهم بترك القتال وألا يتولوا من قاتلهم. من جملة الرجال من المشركين.
ثم قال : ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون أي ومن يتولهم من الاعتقاد، فأولئك هم الظالمون في حق الاعتقاد، أو من يتولهم في الأفعال، فأولئك هم الظالمون في حق الأفعال كما وصفنا في قوله تعالى : فقد ضل سواء السبيل .
٢ في الأصل و م: التولي..
٣ في الأصل و م: توليهم.
٤ في الأصل و م: إظهاره..
٥ ساقطة من الأصل و م..
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم