تمهيد :
يبشر الله المسلمين بمستقبل أفضل، يجمع شملهم مع أعدائهم، ويهديهم للدخول في الإسلام، وتعود المودّة والرحمة والمغفرة من الله لجموع المسلمين، فهو سبحانه قدير وغفور رحيم، وقد أنجز الله تعالى وعده، وفتح لهم مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وجمع الإسلام شمل هذه العائلات، ورأينا أعداء الأمس أصدقاء اليوم.
قال تعالى : وألّف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألّفت بين قلوبهم ولكنّ الله ألّف بينهم إنه عزيز حكيم . ( الأنفال : ٦٣ ).
وقد رخّص الله تعالى للمسلمين في صلة الذين لم يقاتلوهم في الدين من الكفار، ولم يخرجوهم من ديارهم، ولم يظاهروا على إخراجهم، لكنه يحرّم عليهم موالاة الأعداء الذين أخرجوهم من ديارهم، وظاهروا على إخراجهم، فمن يتولّ هؤلاء الظالمين المعتدين فإنه يكون ظالما لنفسه، ولجماعة المسلمين، فما أعظم سماحة الإسلام، حيث قال : لا إكراه في الدين... ( البقرة : ٢٥٦ ).
وحيث أباح لنا موالاة المسالمين الموادعين من أهل الذمة، وعيادة مرضاهم، وأكل ذبائحهم، والتعاون معهم في شئون الحياة.
وإنما حرّم موالاة المحاربين والمعتدين، وحرّم كشف خبايانا للأعداء، ورأينا النبي صلى الله عليه وسلم يزور جارا له يهوديا عندما مرض، وكان ذلك سببا في إسلام اليهوديّ كما ورد في الصحيحين، وقد أخرجه البخاري في : ٧٥- باب عيادة المشرك حديث رقم ٧١٤، عن أنس.
وعلى الحاكم المسلم أن يشمل الموادعين من أهل الذمة بالحفظ والرعاية، وإنقاذ أسراهم، وتحقيق معنى ( لهم ما لنا، وعليهم ما علينا ) لذلك عاش أهل الكتاب في كنف الحكم الإسلامي آمنين مطمئنين، وكان منهم الوزراء والعلماء، والباحثون والمؤرخون والاقتصاديون.
والأقباط في مصر نموذج لهذه المعاملة، فمنهم الوزراء والسفراء وقادة الجيوش، والشعب المصري نسيج متكامل، تتزاور فيه الأسر المسلمة مع الأسر المسيحية، وتتبادل معها التهاني بالأعياد، والتعاون في الرحلات والمشروعات، ورؤساء الدين الإسلامي والمسيحي يتبادلون التهاني بالأعياد، والتعاون في الأنشطة المتعددة، فالأديان السماوية كلها م عند الله، والله تعالى أمرنا بالتسامح والتعاون على البرّ ولتقوى.
قال تعالى : وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان... ( المائدة : ٢ ).
المفردات :
وظاهروا : وساعدوا.
أن تولوهم : أن تكونوا أولياء وأنصار لهم.
التفسير :
٩- إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ .
إما ينهى الله تعالى عن موالاة المقاتلين، أو التقرب إليهم، أو كشف الأسرار لهم، مثل أهل مكة الذين قاتلوا المسلمين، وأخرجوهم من ديارهم، وعاونوا وساعدوا في إخراجهم، هؤلاء وأشباههم من المقاتلين، أمثال اليهود في إسرائيل الذين يُقتّلون إخواننا الفلسطينيين، ويخرجونهم من ديارهم، ويتعاونون على إخراجهم، هؤلاء وأمثالهم من الفئات والدول المعتدية على المسلمين، لا تجوز مودّتهم ولا نقل أخبار المسلمين إليهم.
وقد ذكر زيد وقتادة أن موادعة المسالمين وترك قتالهم، كان في صدر الإسلام، ثم نُسخ ذلك بقوله تعالى : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ... ( التوبة : ٥ ). ( انظر تفسير القرطبي ).
والذي عليه جمهور العلماء أنه لا نسخ، لأن الآيات تقرر حكما يتفق مع شريعة الإسلام في كل زمان ومكان، وهو أننا لا نؤذي من آذانا، ولا نقاتل إلاّ من أظهر العداوة لنا بأية صورة من الصّور، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يستقبل الوفود التي تأتيه لمناقشته في بعض الأمور، مقابلة كريمة، ويتجلّى ذلك فيما فعله مع وفد نجران ووفد تميم وغيرهما.
والإمام ابن جرير الطبري عند تفسير هذه الآيات ذكر آراء من قال إن فيها نسخا، وآراء من قال إنها محكمة لا نسخ فيها، ثم عقب على ذلك بقوله تعالى : وأوْلى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : عنى بقوله تعالى :
لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ...
جميع أصناف الملل والأديان، أن تبرّوهم وتصلوهم وتقسطوا إليهم... ويشمل كل من كانت صفته كذلك، دون تخصيص لبعض دون بعض.
ولا معنى لقول من قال : ذلك منسوخ، لأن برّ المؤمن من أهل الحرب، ممن بينه وبينهم قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه ولا نسب، غير محرّم، ولا منهي عنه، إذا لم يكن في ذلك دلالة له، أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكراع أو سلاح. xii
وفي آخر الآية نجد هذا التعقيب :
وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ .
أي : لا تتخذوا من عاداكم وقاتلكم وأخرجكم من دياركم، أحبابا وأصفياء وأنصارا
وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ .
ومن يتخذ هؤلاء المعتدين أولياء وأحبابا، فإنه يكون ظالما لدينه ولأمته ولنفسه، حيث والى أعداء دينه وأعداء أمته.
تفسير القرآن الكريم
شحاته