ﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲ

ثم ذكر مساوئ اليهود والنصارى، بسبب جبنهم وسوء أدبهم، حين أمروا بالجهاد، وبكفرهم بعد ظهور الحق، تحذيرا مما صنعوا، فقال : وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ * وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلاَمِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ .
يقول الحقّ جلّ جلاله : واذكر يا محمد لهؤلاء المعرضين عن الجهاد قول موسى لبنى إسرائيل، حين ندبهم إلى قتل الجبابرة، بقوله : يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ [ المائدة : ٢١ ] الآية، فلم يمتثلوا أمره، وعصوه أشد عِصيان، حيث قالوا : يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ. . . [ المائدة : ٢٢ ] الآية، إلى أن قالوا : فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ. . . [ المائدة : ٢٤ ] الآية. وآذوه عليه السلام كل الإذاية فقال : يا قوم لِمَ تُؤذونني وقد تعلمون أني رسولُ الله إِليكم ، فالجملة : حال، والحال أنكم تعلمون عِلماً قطعياً، مستمراً، بمشاهدة ما ترون من المعجزات الباهرة، أني رسولُ الله إليكم، لأُرشدكم إلى خير الدنيا والآخرة، ومِن قضية عِلْمكم أن تُبالغوا في تعظيمي، وتُسارعوا إلى طاعتي، فلما زاغوا أي : أصرُّوا على الزيغ عن الحق الذي جاءهم به، واستمروا عليه أزاغ اللهُ قلوبَهم ؛ صرفها عن قبول الحق، والميل إلى الصواب، لصرف اختيارهم نحو الغيّ والإضلال، واللهُ لا يهدي القوم الفاسقين أي : لا يهدي القوم الخارجين عن الطاعة ومنهاج الحق، المصرِّين على الغواية، هدايةً موصّلَة إلى الطاعة وحسن الأدب، والمراد بهم المذكورون خاصة، والإظهار في موضع الإضمار لذمِّهم بالفسق وتعليل عدم الهداية، أو جنس الفاسقين، وهم داخلون في حكمهم دخولاً أوليًّا، وأَيًّا ما كان فوصفهم بالفسق نظر إلى ما في قوله تعالى : فافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [ المائدة : ٢٥ ]، هذا الذي تقتضيه جزالة النظم الكريم، ويرتضيه الذوق السليم. انظر أبا السعود.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : سوء الأدب مع الأكابر، وإذايتهم، سبب كل طرد وبُعد، وسبب كلّ ذُل وهوان، وحسن الأدب معهم وتعظيمهم، سبب كُلِّ تقريب واصطفاء، وسبب كُلِّ عز ونصر، ولذلك قال الصوفية :" اجعل عَمَلك ملحًا، وأدبك دقيقًا ". ألا ترى بني إسرائيل حين أساؤوا الأدب مع نبي الله موسى بقولهم : فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَـاتِلا... [ المائدة : ٢٤ ] الخ كيف أذلَّهم الله وأخزاهم إلى يوم القيامة، وانظر أصحابَ نبينا صلى الله عليه وسلم حيث تأدّبوا غاية الأدب، وقالوا يوم بدر :" لا نقول كما قالت بنو إسرائيل : اذهب أنت وربك، ولكن اذهب أنت وربك ونحن معك، والله لو خُضت بنا ضحضاح البحر لخضناه معك " كيف أعزَّهم الله ونصرهم على سائر الأديان، ببركة حُسن أدبهم ـ رضي الله عنهم وأرضاهم.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير