ﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰ ﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂ ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎ ﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝ

فيها، أو للخروج للمبارزة إذا طلبها العدو، كما كانت حروب النبي صلى الله عليه وسلّم يوم بدر وفي غزوة خيبر.
التذكير بقصة موسى وعيسى عليهما السلام مع بني إسرائيل
[سورة الصف (٦١) : الآيات ٥ الى ٩]
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)
الإعراب:
وَقَدْ تَعْلَمُونَ في موضع الحال.
يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ جملة يَأْتِي: جملة فعلية في موضع جر، لأنها صفة لرسول. واسْمُهُ أَحْمَدُ جملة اسمية من المبتدأ والخبر في موضع جر، لأنها صفة بعد صفة.
لِيُطْفِؤُا منصوب بأن مقدرة، واللام مزيدة.
البلاغة:
يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ استعارة، شبّه من أراد إبطال الدين بمن أراد إطفاء الشمس بفمه، واستعار نور الله لدينه وشرعه.
الْفاسِقِينَ مُبِينٌ الظَّالِمِينَ.. إلخ سجع لطيف مقبول.

صفحة رقم 165

المفردات اللغوية:
وَإِذْ قالَ مُوسى أي واذكر حين قال، وهو كلام مستأنف مقرر لما قبله من ذم التاركين للقتال والمخالفين أمر الرسول صلى الله عليه وسلّم. يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي بالعصيان ومخالفة أمري إذ تركتم القتال، ومن الأذى أيضا الرمي بالأدرة، أي بانتفاخ الخصية، وهو كذب وافتراء. وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ بما جئتكم من المعجزات، وفائدة قَدْ تأكيد العلم، لا تقليله، كأنه قال:
وتعلمون علما يقينيا لا شبهة لكم فيه، وفيه إشارة إلى نهاية جهلهم، إذ عكسوا القضية، وصنعوا مكان تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلّم إيذاءه. زاغُوا مالوا عن الحق والهدى الذي جاء به موسى بإيذائه.
أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ أمالها عن الهدى وصرفها عن قبول الحق والميل إلى الصواب. وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ لا يوفق إلى معرفة الحق أو إلى الجنة القوم الكافرين الخارجين عن الطاعة.
وَإِذْ قالَ عِيسَى أي واذكر. يا بَنِي إِسْرائِيلَ لم يقل: يا قوم، لأنه لم يكن له فيهم قرابة. لِما بَيْنَ يَدَيَّ لما تقدمني أو قبلي من الكتب كالتوراة والزبور. أَحْمَدُ من أسماء النبي صلى الله عليه وسلّم، أي أحمد الناس لربه. فَلَمَّا جاءَهُمْ جاء أحمد الناس الكفار. بِالْبَيِّناتِ الأدلة والعلامات والمعجزات. قالُوا: هذا سِحْرٌ مُبِينٌ أي قالوا: هذا المجيء به سحر بيّن. وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الكافرين، أي لا يرشدهم إلى ما فيه فلاحهم.
يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا أي يريدون أن يطفئوا، واللام مزيدة لما فيها من معنى الإرادة تأكيدا. نُورَ اللَّهِ شرعه ودينه أو كتابه والحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلّم. بِأَفْواهِهِمْ بأقوالهم: إنه سحر وشعر وكهانة. وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ مظهر دينه وناشره في الآفاق. وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ذلك الانتشار الشامل لدعوة الإسلام إرغاما لهم.
بِالْهُدى بالقرآن أو المعجزة. وَدِينِ الْحَقِّ الملة الحنيفية. لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ليعليه على جميع الأديان. وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ لما فيه من الدعوة إلى التوحيد المحض، وإبطال الشرك.
سبب النزول: نزول الآية (٨) :
يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا..: حكى الماوردي عن عطاء عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلّم أبطأ عليه الوحي أربعين يوما، فقال كعب بن الأشرف: يا معشر اليهود، أبشروا! فقد أطفأ الله نور محمد فيما كان ينزل عليه، وما كان ليتمّ أمره،

صفحة رقم 166

فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، واتصل الوحي بعدها «١».
المناسبة:
بعد الحث على الجهاد وتأنيب المتخلفين عنه، التاركين للقتال، ذكّر الله المؤمنين بقصة موسى عليه السلام مع قومه حين دعاهم إلى قتال الجبارين بقوله:
يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ... [المائدة ٥/ ٢١] فخالفوه وعصوا أمره، كيلا يفعلوا بنبيهم مثلما فعل به بنو إسرائيل. ثم ذكّرهم أيضا بقصة عيسى عليه السلام مع بني إسرائيل أيضا حين جاءهم بالبينات والمعجزات وبشرهم بمجيء رسول من بعده اسمه أحمد، فعصوه ولم يمتثلوا أمره. وقرنت القصتان هنا لأن كلّا من موسى وعيسى من أنبياء بني إسرائيل، ولأن المخالفين هم أنفسهم.
ثم شنع على هؤلاء العصاة الذين لم يستجيبوا لدعوة النبي إلى الإسلام، وإنما افتروا على الله الكذب بوصف المعجزات بأنها سحر، ثم ذكر غرضهم من الافتراء وهو محاولة إبطال دين الله وإطفاء نوره وشرعه، والحال أن الله متم نوره، ومظهر دينه على الأديان كلها.
التفسير والبيان:
يحذر الله سبحانه أمة محمد صلى الله عليه وسلّم من مخالفة أمر نبيهم بأن يفعلوا مع نبيهم ما فعله قوم موسى وعيسى معهما، فيقول:
- وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ: يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي، وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ أي واذكر يا محمد لقومك خبر موسى بن عمران عليه السلام حين قال لقومه بني إسرائيل: يا قوم لم تلحقون الأذى بي بمخالفة ما آمركم به من الشرائع التي افترضها الله عليكم، أو لم تؤذونني بالشتم والانتقاص، وأنتم تعلمون يقينا

(١) تفسير القرطبي ١٨/ ٨٥

صفحة رقم 167

صدقي فيما جئتكم به من الرسالة، والرسول يحترم ويعظّم، وقد شاهدتم معجزاتي التي توجب الاعتراف برسالتي.
وهذا تعليم للمؤمنين ونهي لهم من إيذاء نبيهم كما أوذي موسى عليه السلام، كما جاء في آية أخرى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى، فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا، وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً [الأحزاب ٣٣/ ٦٩] وفي هذا أيضا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلّم فيما أصابه من الكفار من قومه وغيرهم، وأمر له بالصبر، ولهذا
قال: «رحمة الله على موسى: لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر».
فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ أي وإنهم لما تركوا الحق ولم يتبعوا نبيهم وآذوه، أمال الله قلوبهم عن الهدى، وصرفها عن الحق، وأسكنها الشك والحيرة، جزاء بما ارتكبوا، كما قال تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ، كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام ٦/ ١١٠].
والله لا يوفق للحق ولا يرشد للهداية القوم الكافرين الذين كفروا بأنبيائهم، وعصوا رسلهم، وهؤلاء من جملتهم.
- وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ: يا بَنِي إِسْرائِيلَ، إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ، مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ أي واذكر يا محمد أيضا لقومك خبر عيسى إذ قال: يا بني إسرائيل، إني رسول الله إليكم بالإنجيل، لم آتكم بشيء يخالف التوراة، وإنما أؤيدها وأكملها، فكيف تعصونني وتنفرون عني وتخالفونني؟! وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ أي إن التوراة قد بشرت بي، وأنا مصداق ما أخبرت عنه، وأنا مبشر بمن بعدي، وهو الرسول النبي الأمي العربي المكي أحمد: وهو الذي يحمد بما فيه من خصال الخير أكثر مما يحمد غيره.

صفحة رقم 168

وهو خاتم الأنبياء والمرسلين الذي لا رسالة بعده ولا نبوة، كما أن عيسى خاتم أنبياء بني إسرائيل.
أورد البخاري ومسلم عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: «إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي- أي بعدي-، وأنا العاقب»
أي الآخر الآتي بعد الأنبياء.
وروى مسلّم وأبو داود الطيالسي عن أبي موسى قال: سمى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم نفسه أسماء، منها ما حفظنا، فقال: «أنا محمد، وأنا أحمد، والحاشر، والمقفي، ونبي الرحمة والتوبة والملحمة».
وعن كعب الأحبار: أن الحواريين قالوا لعيسى: يا روح الله، هل بعدنا من أمة؟ قال: نعم، أمة محمد، حكماء علماء أبرار أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى الله منهم باليسير من العمل.
وجاء في الفصل العشرين من السّفر الخامس من التوراة: «أقبل الله من سينا، وتجلّى من ساعير، وظهر من جبال فاران، معه الربوات الأطهار عن يمينه». وسينا مهبط الوحي على موسى، وساعير مهبط الوحي على عيسى، وفاران جبال مكة مهبط الوحي على محمد.
وجاء في إنجيل يوحنا في الفصل الخامس عشر: قال يسوع المسيح: إن الفارقليط روح الحق الذي يرسله أبي، يعلمكم كل شيء، والفارقليط: لفظ يدل على الحمد، وهو إشارة إلى أحمد ومحمد اسمي النبي صلى الله عليه وسلّم.
فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا: هذا سِحْرٌ مُبِينٌ أي حين جاء أحمد المبشّر به في الكتب المتقدمة بالأدلة والمعجزات القاطعة، قال الكفرة والمخالفون: هذا

صفحة رقم 169

الذي جئت به سحر واضح لا شك فيه. وقيل: المراد لما جاءهم عيسى بالمعجزات، قالوا: هذا الذي جاءنا به سحر واضح ظاهر.
ثم ذكر الله تعالى حكم المعارضين المخالفين الذين دعوا إلى الإسلام وتوحيد الله، فقال:
- وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أي لا أحد أظلم ممن يفتري الكذب على الله، ويجعل له أندادا وشركاء، وهو يدعى إلى التوحيد والإخلاص، والله لا يرشد للحق والصواب الكافرين الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بربهم، وهؤلاء منهم.
- يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ، وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ أي إن هؤلاء الكفار يحاولون جاهدين إبطال دعوة الإسلام، ومنع هدايته، ومقاومة دعوته بأفواههم الكاذبة، ومثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس بفيه، وكما أن هذا مستحيل، كذلك إبطال دعوة الإسلام مستحيل، ولهذا قال تعالى: وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ أي والله مظهر دين الإسلام في الآفاق، ويعليه على غيره من الأديان، ومؤيد رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، ولو كره الكافرون ذلك.
- هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ، لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ أي إن الله عز وجل هو الذي أرسل رسوله محمدا ﷺ بالهدى الكامل، ودين الحق الأبلج الواضح، المتمثل بالقرآن والسنة النبوية، ليجعله متفوقا منتصرا على جميع الأديان، عاليا عليها، غالبا بالمنطق والواقع لها، ولو كره المشركون ذلك، فإنه كائن لا محالة.
وإنما قال أولا: وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ وهم اليهود والنصارى والمشركون، ثم قال: وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ لأنه ذكر أولا النور وإطفاءه، فكان اللائق به

صفحة رقم 170

الكفر: وهو الستر والتغطية، ثم ذكر الرسول والإرسال ودين الحق، وكان الاعتراض عليه أولا من المشركين، ولأن أكثر الحاسدين للرسول ﷺ من قريش، وهم المشركون. ولما كان النور أعم من الدين والرسول صلى الله عليه وسلم، ناسبه ذكر الكافرين الذين هم جميع مخالفي الإسلام، ولفظ الكافر أعم من لفظ المشرك، والرسول والدين أخص من النور، فناسبه ذكر المشركين الذين هم أخص من الكافرين «١».
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١- إن مخالفة أوامر الأنبياء والرسل موجبة لعقاب المخالفين، وقد أمر الله نبيه محمدا ﷺ أن يذكر لقومه العرب أنه لما أمر المؤمنون بالجهاد، فتثاقل بعضهم وتبرموا منه، كان حالهم كحال بني إسرائيل لما أمرهم موسى وعيسى بالتوحيد والجهاد في سبيل الله، خالفوا، فحل العقاب بمن خالف.
٢- يريد الله الخير لعباده، ولا يضل أحدا بغير موجب، فلا يضل المهتدين، وإنما يضل الظالمين والفاسقين، ولما زاغ بنو إسرائيل (مالوا عن الحق) أزاغ الله قلوبهم، أي أمالها عن الهدى وعن الطاعة والإيمان والثواب.
٣- نزل الإنجيل على عيسى عليه السلام متمما للتوراة التي نزلت على موسى عليه السلام، فلم يأتهم عيسى بشيء يخالف التوراة، فينفروا عنه، وقد بشرت التوراة بعيسى، وبشر عيسى بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا أمر منطقي، لأن رسالات الأنبياء صلوات الله عليهم كلهم يكمل بعضها بعضا، فهي من مصدر واحد، وذات غاية واحدة تنحصر في الدعوة إلى توحيد الله وعبادته والإيمان بالرسل والملائكة والكتب الإلهية واليوم الآخر.

(١) تفسير الرازي: ٢٩/ ٣١٥- ٣١٦

صفحة رقم 171

٤- سمى الله نبينا ﷺ باسمه قبل أن يسمّي به نفسه، ومعنى (أحمد) أنه أحمد الحامدين لربه، والأنبياء عليهم السلام كلهم حامدون لله، ونبينا أحمد أكثرهم حمدا. ومحمد: هو الذي حمد مرة بعد مرة، واسمه صادق عليه، فهو محمود في الدنيا لما هدى إليه، ونفع به من العلم والحكمة، وهو محمود في الآخرة بالشفاعة، ثم إنه لم يكن محمدا حتى كان أحمد، حمد ربه فشرفه بالنوبة، فلذلك تقدم اسم (أحمد) على (محمد) في بشارة عيسى عليه السلام: اسْمُهُ أَحْمَدُ.
وذكره موسى عليه السلام حين قال له ربه: تلك أمة أحمد، فقال: اللهم اجعلني من أمة محمد.
٥- كل من عيسى ومحمد عليهما السلام لما جاء بالبينات أي المعجزات والأدلة على النبوة، قال المعارضون: هذا سحر مبين.
٦- إن الكفر بعيسى ومحمد عليهما السلام بعد المعجزات التي ظهرت لهما، أمر يدعو إلى العجب، والكافرون برسالات الأنبياء، المنكرون لوجود الله، أو المشركون به أحدا من خلقه هم أظلم الناس على الإطلاق.
٧- كل محاولات الكفرة لإبطال دين الله تعالى ومقاومة دعوة الإسلام بالإنكار والتكذيب خائبة خاسرة، ومثلهم في إرادة إبطال الحق مثل من أراد إطفاء نور الشمس بفيه، فوجده مستحيلا ممتنعا.
٨- الله متم نوره بقدرته وتدبيره، ومعلن دينه بإظهاره في الآفاق، ولو كره الكافرون جميعا ذلك.
٩- أرسل الله تعالى رسوله محمدا ﷺ بالحق والرشاد، ليعليه على جميع الأديان بالحجج، ولو كره المشركون قاطبة ذلك. وقال أبو هريرة: «ليظهره على الدين كله» بخروج عيسى. وحينئذ لا يبقى كافر إلا أسلم.
جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لينزلن ابن مريم حكما عادلا،

صفحة رقم 172

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية