قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُواْ فِي الأَرْضِ وَابْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ .
هذه الآية الكريمة، وهذا السياق يشبه في مدلوله وصورته قوله تعالى : وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ [ الحج : ٢٧ -٢٨ ] مع قوله : فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [ البقرة : ١٩٨ ] الآية.
ففي كل منهما نداء، وأذان الحج وصلاة وسعي وإتيان وذكر الله، ثم انتشار وإفاضة مما يربط الجمعة بالحج في الشكل وإن اختلف الحجم، وفي الكيف وإن تفاوتت التفاصيل، وفي المباحث والأحكام كثرة وتنويعاً من متفق عليه ومختلف فيه، مما يجعل مباحث الجمعة لا تقل أهمية عن مباحث الحج، وتتطلب عناية بها كالعناية به.
وقد نقل عن الشيخ رحمة الله تعالى عليه أنه كان عازماً على بسط الكلام فيها كعادته رحمة الله تعالى عليه، ولكن إرادته نافذة، وقدرته غالية. وإن كل إنسان يستشعر مدى مباحث الشيخ وبسطه وتحقيقه للمسائل ويترك الدخول فيها تقاصراً دونها ولا سيما وأن ربط هذه المباحث بنصوص القرآن ليس بالأمر المبين، كما أشار إليه أبو حيان في مضمون قوله في نهاية تفسيره لهذه السورة بعد إيجاز الكلام عن أحكامها، قال ما نصه : وقد ملأ المفسرون كثيراً من أوراقهم بأحكام وخلاف في مسائل الجمعة مما لا تعلق لها بلفظ القرآن ا ه.
فهو يشير بأن لفظ القرآن لا تعلق له بتلك الأحكام التي ناقشها المفسرون في مباحث الجمعة، ولكن الدارس لمنهج الشيخ رحمة الله تعالى عليه في الأضواء، والمتذوق لأسلوبه لم يقتصر على اللفظ فقط، أي دلالة النص التطابقي وتأمل أنواع الدلالات من تضمن والتزام وإيماء وتنبيه، فإنه يجد لأكثر أو كل ما قاله المفسرون والمحدثون والفقهاء من المباحث أصولاً من أصول تلك الدلالات.
وإني أستلهم الله تعالى الرشد وأستمد، العون والتوفيق لبيان كل ما يظهر من ذلك إن شاء الله، فإن وفقت فبفضل من الله وخدمة لكتابه، وإلا فإنها محاولة تغتفر بجانب القصور العلمي وتحسين القصد، والله الهادي إلى سواء السبيل.
قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ .
قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في مذكرة الدراسة ما نصه : إذا نودي للصلاة أي قام المنادي بها، وهو المؤذن يقول : حي على الصلاة..
وقوله : مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ أي من صلاة يوم الجمعة أي صلاة الجمعة ا ه.
ومما يدل على أن المراد بها صلاة الجمعة نفسها دون بقية صلوات ذلك اليوم مجيء من التي للتبعيض ثم تبين هذا البعض بالأمر، بترك البيع في قوله : فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ، لأن هذا خاص بالجمعة دون غيرها لوجود الخطبة، وقد كانت معينة لهم قبل نزول هذه الآية، وصلوها قبل مجيء النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، كما سيأتي إن شاء الله.
والمراد بالنداء هو الأذان، كما أشار إليه الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، وكما في قوله تعالى : وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً [ المائدة : ٥٨ ].
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم : " إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ".
وقيل : النداء لغة هو النداء بصوت مرتفع لحديث : " فإنه أندى منك صوتاً ".
وقد عرف الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه الأذان لغة عند قوله تعالى : وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً [ الحج : ٢٧ ] فقال : الأذان لغة الإعلام.
ومنه قوله تعالى : وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأكبر [ الحج : ٢٧ ] وقول الحارث بن حلزة :
| آذنتنا ببنيها أسماء | رب ثاو يمل منه الثواء |
بدء مشروعيته :
اختلف في بدء المشروعية، والصحيح أنه بدىء بعد الهجرة، وجاءت نصوص لكنها ضعيفة : أنه شرع ليلة الإسراء أو بمكة.
منها : عن علي رضي الله عنه عند البزار : أنه شرع مع الصلاة.
ومنها عن ابن عباس عند ابن حبان أنه شرع بمكة عن أول الصلاة.
وقال ابن حجر : لا يصح شيء من ذلك.
أما مشروعيته بعد الهجرة، وفي المدينة ففيها نصوص عديدة صحيحة نبين بدأه وكيفيته.
منها : حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين وغيرهما قال : " كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة وليس ينادي بها أحد، فتكلموا يوماً في ذلك، فقال بعضهم : اتخذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم قرناً مثل قرن اليهود، فقال عمر : أولاً تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا بلال قم فناد بالصلاة "، وفي الموطأ لمالك رحمة الله أنه صلى الله عليه وسلم كان قد أراد أن يتخذ خشبتين يضرب بهما ليجتمع الناس للصلاة، فأرى عبد الله بن زيد الأنصاري خشبتين في النوم فقال : إن هاتين لنحو مما يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ألا تؤذنون للصلاة ؟ فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استيقظ فذكر له ذلك فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأذان ".
وبعض الروايات الأخرى عن غير ابن عمر وعند غير الشيخين بألفاظ أخرى، وصور مختلفة منها قالوا : " انصب راية فإذا رآها الناس أذن بعضهم بعضاً أي أعلمه عند حضور الصلاة، فلم يعجبه ذلك فذكر له القنع، وهو الشَّبُّور لليهود فلم يعجبه، فقال هذا من أمر اليهود ".
وفي رواية أنس " { أن ينوروا ناراً فلم يعجبه شيء من ذلك كله ".
وفي حديث عبد الله بن زيد " لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم " بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلوات طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً في يده. فقلت يا عبد الله أتبيع الناقوس قال : وما تصنع به ؟ قلت : ندعو به إلى الصلاة. قال أفلا ذلك على ما هو خير من أدلك. فقلت : بلى، فقال : تقول : الله أكبر الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ". ثم استأخر عني غير بعيد ثم قال : " نقول : إذا أقمت للصلاة : الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة. الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ". فلما أصبحت أتيت النَّبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت فقال " إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى صوتاً منك، فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به فسمع عمر وهو في بيته فخرج يجر رداءه ويقول : " يا رسول الله والذي بعثك بالحق لقد رأيت ما رأى، فقال صلى الله عليه وسلم فلله الحمد " رواه أبو داود.
وفي رواية له، فقال : " إني لبين نائم ويقظان إذ أتاني آت فأراني الأذان ".
فتبين من هذا كله أن الصحيح في مشروعية الأذان أنه كان بعد الهجرة، وفي المدينة المنورة.
وهنا سؤال حول مشروعية الأذان. قال بعض الناس : كيف يترك أمر الأذان وهو بهذه الأهمية من الصلاة فيكون أمر مشروعيته رؤيا يراها بعض الأصحاب، وطعن في سند الحديث واستدل بحديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما من قوله صلى الله عليه وسلم : " قم يا بلال فناد بالصلاة " والجواب عن هذا من عدة وجوه :
منها : سند حديث عبد الله صحيح، وقد ناقشه الشوكاني رحمه الله، وذكر تصحيحه ومن صححه ويشهد لصحته ما قدمناه من رواية الموطإ بإرادة اتخاذ خشبتين، فأرى عبد الله بن زيد خشبتين الحديث، وكذلك في الصحيحين إثبات التشاور فيما يعلم به حين الصلاة.
ومنها : أنه لا يتعارض مع حديث ابن عمر لأن حديث ابن عمر لم يذكر ألفاظ النداء فيكون الجمع بينهما. إما أن بلالاً كان ينادي بغير هذه الصيغة، ثم رأى عبد الله الأذان فعلمه بلالاً.
وقد يشهد لهذا الوجه ما جاء عن أبي ليلى قال : " أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وحدثنا أصحابنا أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال : لقد أعجبني أن تكون صلاة المسلمين واحدة، حتى لقد هممت أن أبث رجالاً في الدور ينادون الناس بحين الصلاة، وحتى هممت أن آمر رجالاً يقومون على الآطام ينادون المسلمين حتى نقسوا أو كادوا أن ينقسوا، فجاء رجل من الأنصار فقال : يا رسول الله إني لما رجعت لما رأيت من اهتمامك رأيت رجلاً كأن عليه ثوبين أخضرين فقام على المسجد فأذن ثم قعد قعدة ثم قام فقال مثلها إلا أنه يقول قد قامت الصلاة، ولولا أن يقول الناس لقلت إني كنت يقظان غير نائم. فقال صلى الله عليه وسلم " لقد أراك الله خيراً فمر بلالاً فليؤذن، فقال عمر : أما إني قد رأيت مثل الذي رأى ولكني لما سبقت استحييت " لأبي داود أيضاً.
ففيه أنه صلى الله عليه وسلم كان قد همَّ أن يبث رجالاً في الدور، وعلى الأطم ينادون للصلاة، فيكون نداء بلال أولاً من هذا القبيل دون تعيين ألفاظ، أما أن يكون نداء بلال الوارد في الصحيح بألفاظ الأذان، الواردة في حديث عبد الله بعد أن رأى ما رآه أمره صلى الله عليه وسلم أن يعلمه بلالاً فنادى به، ولا تعارض في ذلك كما ترى.
ومنها أيضاً : أن رؤيا عبد الله للأذان لا تجعله مشروعاً له من عنده ولا متوقفاً عليه، لأنه جاء في الرؤيا الصالحة أنها جزء من ست وأربعين جزءاً من النبوة.
وهذا النظم لألفاظ الأذان لا يكون إلا من القسم فهي بعيدة عن الوساوس والهواجس لما فيها من إعلان العقيدة وإرغام الشيطان كما في الحديث : " إن الشيطان إذا سمع النداء أدبر " إلخ.
ثم إنه صلى الله عليه وسلم لما سمعها أقرها وقال : إنها لرؤيا حق، أو لقد أراك الله حقاً، فكانت سنة تقرير كما يقرر بعض الناس على بعض الأفعال.
ثم جاء بعد ذلك تعليمه صلى الله عليه وسلم لأبي محذورة فصار سنة ثابتة، وكان يتوجه السؤال لو أنه لم يبلغه صلى الله عليه وسلم وعملوا به مجرد الرؤيا، ولكن وقد بلغه وأقره فلا سؤال إذاً.
ومنها : أن في بعض الروايات أن الوحي قد جاءه به، ولما أخبره عمر قال له : سبقك بذلك الوحي. ذكر في مراسيل أبي داود.
وذكر عن ابن العربي بسط الكلام إثبات الحكم بالرؤيا ذكرهما المعلق على بذل المجهود.
ومنها ما قيل : ترك مجيء بيان وتعليم لأذان إلى أن رآه عبد الله ورواه عمر رضي الله عنهما لأمرين، ذكرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم معلناً مع ذكر الله فيكون مجيئه عن طريقهما أولى
وأكرم لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يأتيهم من طريقه هو حتى لا يكون عناية من يدعوهم لإط
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان