( ١ ) إذا نودي : إذا أذن لأن في الأذان دعوة للمسلمين إلى الصلاة ( حي على الصلاة حي على الفلاح ). وقد استعمل هذا الفعل في مثل هذا الموقف في إحدى آيات سورة المائدة وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا ولعبا [ ٥٨ ].
في الآيات :
١ ـ أمر موجه للمسلمين بترك البيع والسعي إلى ذكر الله في المساجد حين يؤذن المؤذن وينادي للصلاة يوم الجمعة.
٢ ـ وإباحة لهم بالانتشار في الأرض وابتغاء فضل الله بالكسب والعمل بعد انقضاء الصلاة.
٣ ـ وتنديد بفريق منهم كانوا يتركون النبي قائما في المسجد يوم الجمعة ويخرجون إذا ما رأوا أو سمعوا بتجارة أو لهو. ويغفلون بذلك عن أن ما عند الله هو خير من اللهو والتجارة وأنه خير الرازقين.
تعليق على آيات صلاة الجمعة وتنويه بخطورتها الدينية والاجتماعية ولمحة عن تاريخ الجمعة قبل الإسلام ومسألة اتخاذ يوم الجمعة يوم عيد وعطلة عاما للمسلمين.
والآيات فصل مستقل عن الآيات السابقة. ولا تبدو حكمة وضعه بعدها واقتصار السورة عليه وعلى الفصل السابق له إلا إذا صحّ ما ذكرناه في المقدمة. ونرجو ذلك.
وقد روى البخاري والترمذي في مناسبة نزول الآية الأخيرة فقط من هذه الآيات حديثا عن جابر قال :" أقبلت عير يوم الجمعة ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم، فثار الناس إلا اثني عشر رجلا فأنزل الله وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا (١).
ولقد أورد الطبري وغيره هذا الحديث ورووا زيادة مهمة لم ترد في الصحاح. ومن ذلك ما رواه البغوي أن الانفضاض كان بسبب سماع طبل صاحب القافلة. وأن النبي صلى الله عليه وسلم غضب من ذلك حتى قال :" والذي نفسي محمد بيده لو تتابعتم حتى لا يبقى أحد لسال بكم الوادي نارا ". وفي رواية :" أنه سأل كم بقي في المسجد فقالوا : اثنا عشر رجلا وامرأة فقال : لولا هؤلاء لسومت لهم الحجارة من السماء ". وفي رواية رواها الطبري :" أن الانفضاض تكرر ثلاث مرات على ثلاث جمع، لم يكن يبقى في كل جمعة إلا اثنا عشر رجلا وامرأة وأن النبي قال في الثالثة : والذي نفسي بيده لو اتبع آخركم أولكم لالتهب عليكم الوادي نارا وأنزل الله وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا إلى آخر الآية ".
والذي يتبادر لنا أن الآيات الثلاث نزلت دفعة واحدة في مناسبة تسلل المسلمين من المسجد. وقد احتوت الأولى والثانية بيانا تمهيديا بخطورة شهود صلاة الجمعة. وترك البيع في وقتها كمقدمة للتنديد. وفي هذا إذا صح صورة من صور المسلمين في العهد المدني. والراجح أنها صورة للمسلمين المستجدين من غير الرعيل الأول من المهاجرين والأنصار الذين تواترت الروايات على أنهم كانوا مستغرقين في الله ورسوله، وأيدت ذلك الآيات العديدة التي مرّت أمثلة منها.
وروح الآيات تلهم أن صلاة يوم الجمعة والقيام للخطبة بين يديها مما كان جاريا ومفروضا قبل نزولها، وأنها نزلت للحثّ على شهودها وبيان خطورتها والتنديد بالمنفضين عنها أو المهملين فيها. وهذا المعنى يكون صحيحا وحاسما إذا صح ترجيحنا بأن الآيتين الأولى والثانية نزلتا مع الآية الثالثة دفعة واحدة وهو ما نرجوه.
وهناك روايات وآثار تؤيد ذلك حيث روى ابن هشام عن ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل في قباء حينما جاء من مكة مهاجرا، فأقام فيها أياما وأن صلاة الجمعة أدركته في بني سالم بن عوف فصلاها في مسجدهم الذي أسسه لهم في بطن وادي رانوناء، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة(٢). وهذه الرواية تدل على أن صلاة الجمعة كانت تقام في مكة أيضا قبل الهجرة. وقد يؤيد هذا حديث رواه أبو داود وابن حبان والبيهقي والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن مالك، وكان يقود أباه بعد ذهاب بصره قال :" كان أبي إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة، فسألته عن ذلك فقال ؛ لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة قلت : كم أنتم يومئذ ؟ قال أربعون " (٣). وأسعد بن زرارة هو أحد زعماء الأوس الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم في مكة وتعاقدوا معه. ولا ريب أنه تلقى واجب صلاة الجمعة عنه كما تلقى عنه واجبات الإسلام الأخرى...
ولقد روي فيما روي(٤) أن أهل يثرب رأوا أن يتخذوا لهم يوما يجتمعون فيه كما كان لليهود يوم السبت وللنصارى يوم الأحد فاختاروا يوم الجمعة. كما روي(٥) أن كعب بن لؤي رتب أو سنّ اجتماعات عامة تقوم في هذا اليوم وبدّل اسمه من ( العروبة ) إلى يوم الجمعة. والمتبادر أن اسم اليوم وما توخي منه أعم من نطاق يثرب وأقدم، وأن للاسم دلالة ظاهرة على معناه، وأن لرواية سنة كعب وتغييره اسم اليوم من العروبة إلى الجمعة أصلا وحقيقة مع ترجيحنا أن يكون الاجتماع المسنون ذا صبغة أو غاية دينية طقسية واجتماعية معا. وقد تكون فكرة التفرغ للصلاة أو لبعض الطقوس الدينية أو عقد اجتماعات عامة في يوم الجمعة في الجاهلية مقتبسة من اليهود والنصارى في الأصل أو قد لا تكون. فهناك أمم قديمة كثيرة كان لها أيام أسبوعية خاصة للاجتماعات الدينية والاجتماعية العامة لا تمت إلى النصرانية ولا إلى اليهودية كما لا يخفى.
على أن سكوت الروايات عن الإشارة بشيء هام إلى هذا الاجتماع الأسبوعي الجاهلي القديم يدل على أنه لم يظل على خطورته الأولى، أو بالأحرى على أنه قد أهمل في عهد الجاهلية المتأخر ولم تبق له إلا ذكرى الاسم فأحياها الإسلام ليكون هذا اليوم العربي الأسبوعي يوما مشهودا لذكر الله واجتماع المسلمين للصلاة في وسطه وسماع الخطبة والموعظة من رسول الله والأئمة من بعده.
وظاهر مما تقدم أن تشريع صلاة الجمعة في الإسلام كان في بدئه مكيا ونبويا ثم صار بالآيات التي نحن في صددها قرآنيا، ولعلّ في إيراد الآيات الثلاث بعد فصل التنديد باليهود ردّا على ما خمناه من تفاخر هؤلاء بيوم معين في الأسبوع كله عندهم. فالله سبحانه قد جعل للمسلمين أيضا يوما معينا له هو يوم الجمعة ولقد رويت أحاديث عديدة في تعيين الله يوم الجمعة للمسلمين وفي فضلها وفضل صلاتها ووجوب شهودها والاحتفال لذلك، منها حديث عن أبي هريرة رواه الشيخان والنسائي جاء فيه :" قال النبي صلى الله عليه وسلم نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له فالناس لنا تبع فيه. اليهود غدا والنصارى بعد غد " (٦). وحديث عن أبي هريرة رواه مسلم والنسائي وأحمد جاء فيه :" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره : لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين " (٧). وحديث عن أبي الجعد الضمري رواه أصحاب السنن والحاكم جاء فيه :" قال النبي صلى الله عليه وسلم : من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه " (٨). وحديث عن ابن عباس رواه الشافعي جاء فيه :" قال النبي صلى الله عليه وسلم : على كل محتلم رواح الجمعة وعلى كل من راح الجمعة الغسل " (٩).
وحديث رواه أبو داود والبيهقي عن طارق بن شهاب جاء فيه :" قال النبي صلى الله عليه وسلم : من ترك الجمعة من غير ضرورة كتب منافقا في كتاب لا يمحى ولا يبدل " (١٠) وحديث رواه أبو داود والنسائي عن حفصة جاء فيه :" قال النبي صلى الله عليه وسلم : الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة : عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض " (١١). وحديث رواه الشيخان وأبو داود عن سلمان الفارسي وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويطهر ما استطاع من الطهر ويدهن من دهنه ويمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى " (١٢). ولفظ أبي داود :" من اغتسل يوم الجمعة ولبس من أحسن ثيابه ومسّ من طيب إن كان عنده ثم أتى الجمعة فلم يتخط أعناق الناس ثم صلى ما كتب الله له ثم أنصت إذا خرج الإمام حتى يفرغ من صلاته كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها " (١٣). وحديث رواه ابن ماجه وعبد السلام عن عبد الله بن سلام قال :" سمعت رسول الله يقول على المنبر في يوم الجمعة : ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوب مهنته " (١٤). وحديث رواه الشيخان والنسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" على كل مسلم حق أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما يغسل فيه رأسه وجسده ". ولفظ النسائي " على كل رجل مسلم في كل سبعة أيام غسل هو يوم الجمعة " (١٥). وحديث رواه الترمذي جاء فيه :" من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسرا إلى جهنم " (١٦). وحديث رواه الخمسة إلا أبا داود جاء فيه :" أن رسول الله ذكر يوم الجمعة فقال : فيه ساعة لا يوافقها غير مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه وأشار بيده يقللها " (١٧). وروى مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي موسى عن وقت هذه الساعة أن رسول الله قال :" هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة " (١٨). وحديث رواه الخمسة عن أبي هريرة قال :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت " )(١٩)(.
وهناك أحاديث أخرى اكتفينا بما تقدم حيث تدل كثرتها على ما كان من اهتمام رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة الجمعة وشهودها والتطهر والتزين والتجمل لها، وحيث ينطوي في هذا ما ينطوي من تعليم وتأديب رائعين. وخطورة واجتماع الجمعة الاجتماعية أيضا واضحة بالإضافة إلى خطورته الدينية ؛ حيث يجتمع المسلمون جميعهم في المساجد في المدن والقرى في مشهد رائع عظيم فيذكرون اسم الله ويصلون له ويستمعون لوعظ الخطباء. وقد يدخل هذا في حكمة التنبيه والإنذار القرآنية والنبوية. ولقد كانت هذه الخطورة أشد وأعظم في زمن رسول الله وخلفائه الراشدين، حيث كانوا هم الذين يخطبون الناس خطبا تتناول أمور المسلمين العامة الحاضرة سياسية واجتماعية وجهادية وأخلاقية حثّا وزجرا وتعليما وإرشادا وإخبارا واستشارة. ومن الواجب حتما على المسلمين وخطبائهم أن يلتزموا بالأمر الرباني والنبوي والسنة النبوية والراشدية.
ولقد استدل الفقهاء والمفسرون من جملة وتركوك قائما على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلقي خطبة الجمعة وهو واقف. وهناك حديث رواه الخمسة عن ابن عمر قال :( كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب ثم يقعد ثم يقوم كما تفعلون الآن )(٢٠). وفي رواية :" كان للنبي خطبتان يجلس بينهما )(٢١).
وهناك بعض أحكام فرعية للفقهاء فيها بعض الخلاف ليس هنا موضع التبسط فيها، غير أننا نرى أن نشير إلى نقطة هامة كثر القول فيها، وهي فكرة اتخاذ يوم الجمعة يوم عطلة وراحة للمسلمين. فالذي يتبادر لنا أن الأمر بترك البيع والسعي إلى الص
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي ( ١ ) لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ( ٩ ) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( ١٠ ) وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( ١١ ) . [ ٩ ـ ١١ ]
في الآيات :
١ ـ أمر موجه للمسلمين بترك البيع والسعي إلى ذكر الله في المساجد حين يؤذن المؤذن وينادي للصلاة يوم الجمعة.
٢ ـ وإباحة لهم بالانتشار في الأرض وابتغاء فضل الله بالكسب والعمل بعد انقضاء الصلاة.
٣ ـ وتنديد بفريق منهم كانوا يتركون النبي قائما في المسجد يوم الجمعة ويخرجون إذا ما رأوا أو سمعوا بتجارة أو لهو. ويغفلون بذلك عن أن ما عند الله هو خير من اللهو والتجارة وأنه خير الرازقين.
تعليق على آيات صلاة الجمعة وتنويه بخطورتها الدينية والاجتماعية ولمحة عن تاريخ الجمعة قبل الإسلام ومسألة اتخاذ يوم الجمعة يوم عيد وعطلة عاما للمسلمين.
والآيات فصل مستقل عن الآيات السابقة. ولا تبدو حكمة وضعه بعدها واقتصار السورة عليه وعلى الفصل السابق له إلا إذا صحّ ما ذكرناه في المقدمة. ونرجو ذلك.
وقد روى البخاري والترمذي في مناسبة نزول الآية الأخيرة فقط من هذه الآيات حديثا عن جابر قال :" أقبلت عير يوم الجمعة ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم، فثار الناس إلا اثني عشر رجلا فأنزل الله وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا (١).
ولقد أورد الطبري وغيره هذا الحديث ورووا زيادة مهمة لم ترد في الصحاح. ومن ذلك ما رواه البغوي أن الانفضاض كان بسبب سماع طبل صاحب القافلة. وأن النبي صلى الله عليه وسلم غضب من ذلك حتى قال :" والذي نفسي محمد بيده لو تتابعتم حتى لا يبقى أحد لسال بكم الوادي نارا ". وفي رواية :" أنه سأل كم بقي في المسجد فقالوا : اثنا عشر رجلا وامرأة فقال : لولا هؤلاء لسومت لهم الحجارة من السماء ". وفي رواية رواها الطبري :" أن الانفضاض تكرر ثلاث مرات على ثلاث جمع، لم يكن يبقى في كل جمعة إلا اثنا عشر رجلا وامرأة وأن النبي قال في الثالثة : والذي نفسي بيده لو اتبع آخركم أولكم لالتهب عليكم الوادي نارا وأنزل الله وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا إلى آخر الآية ".
والذي يتبادر لنا أن الآيات الثلاث نزلت دفعة واحدة في مناسبة تسلل المسلمين من المسجد. وقد احتوت الأولى والثانية بيانا تمهيديا بخطورة شهود صلاة الجمعة. وترك البيع في وقتها كمقدمة للتنديد. وفي هذا إذا صح صورة من صور المسلمين في العهد المدني. والراجح أنها صورة للمسلمين المستجدين من غير الرعيل الأول من المهاجرين والأنصار الذين تواترت الروايات على أنهم كانوا مستغرقين في الله ورسوله، وأيدت ذلك الآيات العديدة التي مرّت أمثلة منها.
وروح الآيات تلهم أن صلاة يوم الجمعة والقيام للخطبة بين يديها مما كان جاريا ومفروضا قبل نزولها، وأنها نزلت للحثّ على شهودها وبيان خطورتها والتنديد بالمنفضين عنها أو المهملين فيها. وهذا المعنى يكون صحيحا وحاسما إذا صح ترجيحنا بأن الآيتين الأولى والثانية نزلتا مع الآية الثالثة دفعة واحدة وهو ما نرجوه.
وهناك روايات وآثار تؤيد ذلك حيث روى ابن هشام عن ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل في قباء حينما جاء من مكة مهاجرا، فأقام فيها أياما وأن صلاة الجمعة أدركته في بني سالم بن عوف فصلاها في مسجدهم الذي أسسه لهم في بطن وادي رانوناء، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة(٢). وهذه الرواية تدل على أن صلاة الجمعة كانت تقام في مكة أيضا قبل الهجرة. وقد يؤيد هذا حديث رواه أبو داود وابن حبان والبيهقي والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن مالك، وكان يقود أباه بعد ذهاب بصره قال :" كان أبي إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة، فسألته عن ذلك فقال ؛ لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة قلت : كم أنتم يومئذ ؟ قال أربعون " (٣). وأسعد بن زرارة هو أحد زعماء الأوس الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم في مكة وتعاقدوا معه. ولا ريب أنه تلقى واجب صلاة الجمعة عنه كما تلقى عنه واجبات الإسلام الأخرى...
ولقد روي فيما روي(٤) أن أهل يثرب رأوا أن يتخذوا لهم يوما يجتمعون فيه كما كان لليهود يوم السبت وللنصارى يوم الأحد فاختاروا يوم الجمعة. كما روي(٥) أن كعب بن لؤي رتب أو سنّ اجتماعات عامة تقوم في هذا اليوم وبدّل اسمه من ( العروبة ) إلى يوم الجمعة. والمتبادر أن اسم اليوم وما توخي منه أعم من نطاق يثرب وأقدم، وأن للاسم دلالة ظاهرة على معناه، وأن لرواية سنة كعب وتغييره اسم اليوم من العروبة إلى الجمعة أصلا وحقيقة مع ترجيحنا أن يكون الاجتماع المسنون ذا صبغة أو غاية دينية طقسية واجتماعية معا. وقد تكون فكرة التفرغ للصلاة أو لبعض الطقوس الدينية أو عقد اجتماعات عامة في يوم الجمعة في الجاهلية مقتبسة من اليهود والنصارى في الأصل أو قد لا تكون. فهناك أمم قديمة كثيرة كان لها أيام أسبوعية خاصة للاجتماعات الدينية والاجتماعية العامة لا تمت إلى النصرانية ولا إلى اليهودية كما لا يخفى.
على أن سكوت الروايات عن الإشارة بشيء هام إلى هذا الاجتماع الأسبوعي الجاهلي القديم يدل على أنه لم يظل على خطورته الأولى، أو بالأحرى على أنه قد أهمل في عهد الجاهلية المتأخر ولم تبق له إلا ذكرى الاسم فأحياها الإسلام ليكون هذا اليوم العربي الأسبوعي يوما مشهودا لذكر الله واجتماع المسلمين للصلاة في وسطه وسماع الخطبة والموعظة من رسول الله والأئمة من بعده.
وظاهر مما تقدم أن تشريع صلاة الجمعة في الإسلام كان في بدئه مكيا ونبويا ثم صار بالآيات التي نحن في صددها قرآنيا، ولعلّ في إيراد الآيات الثلاث بعد فصل التنديد باليهود ردّا على ما خمناه من تفاخر هؤلاء بيوم معين في الأسبوع كله عندهم. فالله سبحانه قد جعل للمسلمين أيضا يوما معينا له هو يوم الجمعة ولقد رويت أحاديث عديدة في تعيين الله يوم الجمعة للمسلمين وفي فضلها وفضل صلاتها ووجوب شهودها والاحتفال لذلك، منها حديث عن أبي هريرة رواه الشيخان والنسائي جاء فيه :" قال النبي صلى الله عليه وسلم نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له فالناس لنا تبع فيه. اليهود غدا والنصارى بعد غد " (٦). وحديث عن أبي هريرة رواه مسلم والنسائي وأحمد جاء فيه :" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره : لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين " (٧). وحديث عن أبي الجعد الضمري رواه أصحاب السنن والحاكم جاء فيه :" قال النبي صلى الله عليه وسلم : من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه " (٨). وحديث عن ابن عباس رواه الشافعي جاء فيه :" قال النبي صلى الله عليه وسلم : على كل محتلم رواح الجمعة وعلى كل من راح الجمعة الغسل " (٩).
وحديث رواه أبو داود والبيهقي عن طارق بن شهاب جاء فيه :" قال النبي صلى الله عليه وسلم : من ترك الجمعة من غير ضرورة كتب منافقا في كتاب لا يمحى ولا يبدل " (١٠) وحديث رواه أبو داود والنسائي عن حفصة جاء فيه :" قال النبي صلى الله عليه وسلم : الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة : عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض " (١١). وحديث رواه الشيخان وأبو داود عن سلمان الفارسي وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويطهر ما استطاع من الطهر ويدهن من دهنه ويمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى " (١٢). ولفظ أبي داود :" من اغتسل يوم الجمعة ولبس من أحسن ثيابه ومسّ من طيب إن كان عنده ثم أتى الجمعة فلم يتخط أعناق الناس ثم صلى ما كتب الله له ثم أنصت إذا خرج الإمام حتى يفرغ من صلاته كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها " (١٣). وحديث رواه ابن ماجه وعبد السلام عن عبد الله بن سلام قال :" سمعت رسول الله يقول على المنبر في يوم الجمعة : ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوب مهنته " (١٤). وحديث رواه الشيخان والنسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" على كل مسلم حق أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما يغسل فيه رأسه وجسده ". ولفظ النسائي " على كل رجل مسلم في كل سبعة أيام غسل هو يوم الجمعة " (١٥). وحديث رواه الترمذي جاء فيه :" من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسرا إلى جهنم " (١٦). وحديث رواه الخمسة إلا أبا داود جاء فيه :" أن رسول الله ذكر يوم الجمعة فقال : فيه ساعة لا يوافقها غير مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه وأشار بيده يقللها " (١٧). وروى مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي موسى عن وقت هذه الساعة أن رسول الله قال :" هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة " (١٨). وحديث رواه الخمسة عن أبي هريرة قال :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت " )(١٩)(.
وهناك أحاديث أخرى اكتفينا بما تقدم حيث تدل كثرتها على ما كان من اهتمام رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة الجمعة وشهودها والتطهر والتزين والتجمل لها، وحيث ينطوي في هذا ما ينطوي من تعليم وتأديب رائعين. وخطورة واجتماع الجمعة الاجتماعية أيضا واضحة بالإضافة إلى خطورته الدينية ؛ حيث يجتمع المسلمون جميعهم في المساجد في المدن والقرى في مشهد رائع عظيم فيذكرون اسم الله ويصلون له ويستمعون لوعظ الخطباء. وقد يدخل هذا في حكمة التنبيه والإنذار القرآنية والنبوية. ولقد كانت هذه الخطورة أشد وأعظم في زمن رسول الله وخلفائه الراشدين، حيث كانوا هم الذين يخطبون الناس خطبا تتناول أمور المسلمين العامة الحاضرة سياسية واجتماعية وجهادية وأخلاقية حثّا وزجرا وتعليما وإرشادا وإخبارا واستشارة. ومن الواجب حتما على المسلمين وخطبائهم أن يلتزموا بالأمر الرباني والنبوي والسنة النبوية والراشدية.
ولقد استدل الفقهاء والمفسرون من جملة وتركوك قائما على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلقي خطبة الجمعة وهو واقف. وهناك حديث رواه الخمسة عن ابن عمر قال :( كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب ثم يقعد ثم يقوم كما تفعلون الآن )(٢٠). وفي رواية :" كان للنبي خطبتان يجلس بينهما )(٢١).
وهناك بعض أحكام فرعية للفقهاء فيها بعض الخلاف ليس هنا موضع التبسط فيها، غير أننا نرى أن نشير إلى نقطة هامة كثر القول فيها، وهي فكرة اتخاذ يوم الجمعة يوم عطلة وراحة للمسلمين. فالذي يتبادر لنا أن الأمر بترك البيع والسعي إلى الص
التفسير الحديث
دروزة