المعنى الجملي : بعد أن ذكر كذب المنافقين في قولهم للرسول صلى الله عليه وسلم : نشهد إنك لرسول الله، وبين شنيع أفعالهم، بترويجها بالأيمان الفاجرة، ثم أعقبه بذكر جبنهم وصلفهم، وأنهم أجسام البغال، وأحلام العصافير، ثم أردفه ببيان أنهم أعداء الله حقا ؛ أعقب هذا بذكر ما صدر منهم مما يثبت كذبهم ونفاقهم، بما لا يدع شبهة لمن يلتمس لهم المعاذير، ويبرئهم من النفاق ؛ فمن ذلك :
( ١ ) أنهم إذا طلب منهم أن يتقدموا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم على ما فرط منهم من الذنوب، أمالوا رؤوسهم وأعرضوا استكبارا وأنفة أن يفعلوا.
( ٢ ) أنهم قالوا : لئن رجعنا من وقعة بني المصطلق ( قبيلة من اليهود ) إلى المدينة لنخرجن الأذلاء محمدا وصحبه منها.
ثم نعى عليهم ما قالوا بأنهم قوم لا حلوم لهم، ولا هم يفقهون جليل قدرة الله وبديع صنعه.
روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غزا بني المصطلق علا المريسيع ( ماء لهم ) وهزمهم وقتل وأسر- ازدحم على الماء جهجاه بن سعيد الغفاري، وكان أجيرا لعمر بن الخطاب، وسنان الجهني، وكان حليف عبد الله بن أبيّ، واقتتلا فصرخ جهجاه وقال : يا للمهاجرين، وصرخ سنان وقال : يا للأنصار، فأعان جهجاها رجل من المهاجرين ولطم سنانا، فقال عبد الله ابن أبيّ للمهاجرين : ما صحبنا محمدا إلا لنلطم، والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل : سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم قال لقومه : لو أمسكتم عن هذا وذويه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم، فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر : دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق قال :( إذا ترعد أنف كثيرة بيثرب ) ( يريد صلى الله عليه وسلم أنه يهيج الشر ) قال : فإن كرهت أن يقتله مهاجر فأمر به أنصاريا، قال : فكيف إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ؟ ثم قال لعبد الله :" أنت صاحب هذا الكلام الذي بلغني "، قال والله الذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك، وإن زيدا ( يريد زيد بن أرقم الذي بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم ) لكاذب، فنزلت هذه الآيات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد :( يا غلام إن الله صدقك وكذب المنافقين )، فلما بان كذب عبد الله قيل له : قد نزلت فيك آي شداد، فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك فلوّي رأسه وقال : أمرتموني أن أؤمن فآمنت، وأمرتموني أن أزكي فزكيت، وما بقي إلا أن أسجد لمحمد، ولم يلبث إلا أياما حتى اشتكى ومات.
والأعز : أي المنافقون، والأذل : في زعمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه، والعزة : الغلبة والنصر.
ثم ذكر هنة ثالثة لهم وهي أعظمها فقال :
يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل أي يقول عبد الله بن أبي ومن يلوذ به من صحبه : لئن عدنا إلى المدينة لنخرجنكم منها أيها المؤمنون فإننا الأقوياء الأشداء الأعزاء، وأنتم الضعفاء الأذلاء.
ثم رد عليهم مقالهم فقال :
ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين أي ولله الغلبة والقوة، ولمن أعزه الله من الرسول والمؤمنين.
روي أن عبد الله بن عبد الله بن أبي، وكان مؤمنا مخلصا سلّ سيفه على أبيه عندما أشرفوا على المدينة وقال : لله عليّ ألا أغمده حتى تقول : محمد الأعز وأنا الأذل، فلم يبرح حتى قال ذلك.
وروي أنه وقف واستل سيفه وجعل الناس يمرون عليه حتى جاء أبوه فقال : وراءك قال مالك ويلك ؟ قال والله لا تجوز من هنا حتى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه العزيز وأنت الذليل، فرجع حتى لقي رسول الله، وكان إنما يسير ساقة ( في آخر الجيش )، فشكا إليه ما صنع ابنه، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن خل عنه يدخل ففعل ).
ولكن النافقين لا يعلمون أن العزة لله ورسوله وللمؤمنين، وأن العاقبة للمتقين، وأن الله ينصر من ينصره كما قال كتب الله لأغلبن أنا ورسلي [ المجادلة : ٢١ ] وسننه تعالى لا تبديل فيها ولا تغيير، وهو لابد جاعل عباده المؤمنين هم الأعزاء كما وعد، وجاعل مخالفيه هم الأذلاء.
ولا دخل للمال والنشب، ولا للحسب والنسب، في تلك القوة التي يمد بها من يشاء، والنصرة التي يمنحها عباده المخلصين، وإن الله منجز وعده لنبيه، كما أنجزه لمن قبله من رسله، وقد تم لهم الظفر على أعدائهم الضالين.
تفسير المراغي
المراغي