مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ} [آل عمران: ٣٩]. فأعلم أنه مخلوق كذلك.
وروى أبو سعيد الخدري خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عشية فذكر شيئًا مما يكون، ثم قال في خطبته: "يُولد الناسُ على أطباقٍ شتى، يولد الرجل مؤمنًا ويعيش مؤمنًا ويموت مؤمنًا، ويولد الرجل كافرًا ويعيش كافرًا ويموت كافرًا، ويولد الرجل مؤمنًا ويعيش مؤمنًا ويموت كافرا، ويولد الرجل كافرًا ويعيش كافرًا ويموت مؤمنا" (١).
٥ - قوله: أَلَمْ يَأْتِكُمْ يخاطب أهل مكة نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ يعني الأمم الكافرة.
٦ - قوله تعالى: وَاسْتَغْنَى اللَّهُ أي عن إيمانهم وعبادتهم.
٩ - قوله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ قال الزجاج: يَوْمُ منصوب بقوله: لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ (٢).
قوله: لِيَوْمِ الْجَمْعِ قال ابن عباس، ومقاتل: يريد يوم القيامة يجمع فيه أهل السموات وأهل الأرض (٣).
قوله تعالى: ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ التغابن تفاعل من الغبن، والغبن في الشراء والبيع، يقال: غبنه يغبنه إذا أخذ الشيء عنه بدون قيمته (٤).
قال ابن عباس: إن قومًا في النار يعذبون وقومًا في الجنة يتنعمون (٥)
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٥/ ١٨٠.
(٣) "تفسير مقاتل" ١٥٧ ب، و"معالم التنزيل" ٤/ ٣٥٣، و"التفسير الكبير" ٣٠/ ٢٤.
(٤) "تهذيب اللغة" ١/ ١٤٨ (غبن)، و"مفردات الراغب" (غبن).
(٥) "التفسير الكبير" ٣٠/ ٢٤.
وقال المقاتلان: هو يوم يغبن فيه أهل الحق أهل الباطل، وأهل الهدى أهل الضلالة، وأهل الإيمان أهل الكفر، فلا غبن أبين منه، هؤلاء يدخلون الجنة، وهؤلاء يدخلون النار (١)، وهذا معنى قول جماعة المفسرين (٢).
قال: ويرى الكافر مقعده وأزواجه من الجنة لو آمن ليزداد حسرة، وإذا لم يؤمن ويرثه المؤمنون، فالمغبون من غبن أهله ومنازله في الجنة (٣). وحقيقة المعنى أنا قد ذكرنا أن أهل الغبن والتغابن في البيع والشراء، وقد ذكر الله تعالى أن الكافرين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة (٤)، واشتروا الضلالة بالهدى، ثم ذكر أنهم ما ربحوا في هذه التجارة، فقال فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ (٥) ودل المؤمنين على تجارة رابحة بقوله: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ
(٢) وروى نحوه عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة.
انظر: "تفسير مجاهد" ٢/ ٦٧٩، و"جامع البيان" ٢٨/ ٧٩، و "زاد المسير" ٨/ ٢٨٢.
(٣) ويشهد لهذا المعنى الحديث الصحيح عن أبي هريرة، قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا يدخل أحد الجنة إلا أُري مقعده من النار لو أساء، ليزداد شكرًا، ولا يدخل النار أحد إلا أُري مقعده من الجنة لو أحسن لبكون عليه حسرة" "صحيح البخاري"، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار ٨/ ١٤٦.
قال ابن حجر: ووقع عند ابن ماجه أيضًا، وأحمد بسند صحيح عن أبي هريرة بلفظ "ما منكم من أحد إلا وله منزلان، منزل في الجنة، ومنزل في النار. فإذا مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله" وذلك قوله تعالى: أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ "فتح الباري" ١١/ ٤٤٢.
(٤) وذلك في قوله تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ سورة البقرة، آية: ٨٦.
(٥) قال تعالى أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِين [سورة البقرة، آية: ١٦].
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي