على عدم العودة مرة أخرى، فإذا كان الذنب في حق الله اكتفى الحال بهذا، وإن كان في حق آدمي لزمك إرجاع الحق إلى صاحبه، أو طلب عفوه ومغفرته عنه ولو بالجملة، وهل قبول التوبة لازم أم متروك لمشيئة الله حتى يظل العبد متجها إلى الله؟
الحق- والله أعلم- أنه لا يجب على الله قبول التوبة إذا وجدت بشروطها لكن الله يقبلها كرما منه وتفضلا، عسى ربكم أن يكفر عنكم بالتوبة سيئاتكم، ويدخلكم جنات تجرى من تحتها الأنهار. يوم لا يخزى الله النبي صلّى الله عليه وسلّم بل يكرمه ويعزه لأنه الحبيب المصطفى، ولا يخزى من معه من الذين آمنوا حالة كون نورهم يسعى ويمتد بين أيديهم وبأيمانهم، بشراهم اليوم حالة كونهم يقولون لما رأوا غيرهم يضلون: ربنا أتمم لنا نورنا. واغفر لنا إنك على كل شيء قدير.
يا أيها النبي جاهد الكفار بكل ما أوتيت من قوة، وكذا المنافقين، اغلظ عليهم واشتد في معاملتهم. واعلم أن مأواهم جهنم، وبئس المصير مصيرهم.
أمثلة حية للنساء [سورة التحريم (٦٦) : الآيات ١٠ الى ١٢]
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢)
المفردات:
مَثَلًا المثل: الصفة العجيبة، والمراد: إيراد حالة غريبة ليعرف بها حالة أخرى مشاكلة لها في الغرابة. فَلَمْ يُغْنِيا: لم يدفعا عنهما شيئا من الإغناء. أَحْصَنَتْ فَرْجَها: حفظته. بِكَلِماتِ رَبِّها: شرائعه. مِنَ الْقانِتِينَ: من القوم الطائعين.
قد ضرب الله هذه الأمثال ليعلم الجميع أن القربى إلى الله بالطاعات، لا بالشفاعات والوسيلة، وأن المؤمنة الصابرة على الإيذاء ينجيها الله من القوم الظالمين، وفي هذا تعريض بأمهات المؤمنين وتخويف لهن بأنه لن ينفعهن قربهن من النبي إذا أتين بذنب.
وهذا ختام للسورة رائع بذكر ما يدل على مسئولية المرأة.
المعنى:
ضرب الله مثلا للذين كفروا والمغرورين الذين يدعون الشفاعة لهم من النبي:
ضرب مثلا امرأة نوح وامرأة لوط، كانتا متزوجتين رجلين كريمين على الله: الأول نوح الأب الثاني للبشر، والثاني لوط نبي كريم على الله، ولكن هاتين المرأتين خانتا زوجيهما. والظاهر- والله أعلم- أنها خيانة في العقيدة أو في الخلق غير الزنا فإن الخيانة الزوجية بالزنا خلق ذميم يتبرأ منه الأنبياء وعائلاتهم، فمن المعقول أن تكون امرأة النبي كافرة لأنها ترى هذا، وليس من المعقول أن تكون زانية لأن الزنا مرض وراثي ينشأ من البيئة التي يعيش فيها الشخص ولا يعقل أن يمسك النبي امرأة زانية.
هاتان المرأتان خانت كل منهما زوجها بالكفر أو النميمة أو الاتصال بالأعداء مثلا، فلم ينفعهما قربهما من الأنبياء، ولم يدفع نوح ولوط مع كرامتهما عند الله عن زوجتيهما
لما عصتا من عذاب الله شيئا، وهذا بيان صريح على أن العذاب يدفع بالطاعة لا بالشفاعة، وقيل لهما: ادخلا النار مع الداخلين لها ممن ليس لهم صلة بنبي أو غيره.
وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون وكانت مؤمنة صالحة، أى: جعل حالها العجيب مثلا لحال المؤمنين في أن صلتها بالكافرين لم تضرها شيئا، ما دامت هي تقوم بالعمل الصالح، ضرب الله مثلها إذ قالت عند تعذيب فرعون لها: رب ابن لي عندك بيتا في الجنة، ونجنى من فرعون وعمله، ونجنى من القوم الطغاة الظالمين.
وضرب الله مثلا للذين آمنوا مريم ابنة عمران أم عيسى- عليه السلام- التي أحصنت فرجها وحفظته، لأنها العفيفة الحصينة المبرأة من العيب، يا سبحان الله هذا هو وصف القرآن لمريم البتول الطاهرة. فنفخ الله فيه من روحه، والنافخ هو جبريل بأمر الله، نفخ في فرجها وفي جيب قميصها روحا من الله، فحملت مريم عيسى، والإضافة التي في قول الله: من روحنا للتشريع والتكريم ولأنه روح وصلت إلى مريم بلا واسطة أب.
وصدقت مريم بكلمات ربها حيث قال لها جبريل: إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا
«١» صدقت بشرائع الله وكتبه، وكانت مريم من سلالة القوم الطائعين القانتين.
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي