ﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪ

ضَرَبَ الله مَثَلاً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ قد تقدّم غير مرّة أن المثل قد يراد به إيراد حالة غريبة يعرف بها حالة أخرى مماثلة لها في الغرابة : أي جعل الله مثلاً لحال هؤلاء الكفرة، وأنه لا يغني أحد عن أحد امرأت نُوحٍ وامرأت لُوطٍ هذا هو المفعول الأوّل، و مثلاً المفعول الثاني حسبما قدّمنا تحقيقه، وإنما أخر ليتصل به ما هو تفسير له وإيضاح لمعناه كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صالحين وهما نوح ولوط : أي كانتا في عصمة نكاحهما فَخَانَتَاهُمَا أي فوقعت منهما الخيانة لهما. قال عكرمة والضحاك : بالكفر، وقيل : كانت امرأة نوح تقول للناس إنه مجنون، وكانت امرأة لوط تخبر قومه بأضيافه، وقد وقع الإجماع على أنه ما زنت امرأة نبيّ قطّ. وقيل : كانت خيانتهما النفاق. وقيل : خانتاهما بالنميمة فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ الله شَيْئاً أي فلم ينفعهما نوح ولوط بسبب كونهما زوجتين لهما شيئًا من النفع ولا دفعا عنهما من عذاب الله مع كرامتهما على الله شيئًا من الدفع وَقِيلَ ادخلا النار مَعَ الدخلين أي وقيل لهما في الآخرة، أو عند موتهما ادخلا النار مع الداخلين لها من أهل الكفر والمعاصي. وقال يحيى بن سلام : ضرب الله مثلاً للذين كفروا يحذر به عائشة وحفصة من المخالفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين تظاهرتا عليه. وما أحسن من قال : فإن ذكر امرأتي النبيين بعد ذكر قصتهما ومظاهرتهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يرشد أتمّ إرشاد، ويلوّح أبلغ تلويح إلى أن المراد تخويفهما مع سائر أمهات المؤمنين، وبيان أنهما وإن كانتا تحت عصمة خير خلق الله وخاتم رسله، فإن ذلك لا يغني عنهما من الله شيئًا، وقد عصمهما الله عن ذنب تلك المظاهرة بما وقع منهما من التوبة الصحيحة الخالصة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس في قوله : فَخَانَتَاهُمَا قال : ما زنتا : أما خيانة امرأة نوح فكانت تقول للناس : إنه مجنون ؛ وأما خيانة امرأة لوط : فكانت تدل على الضيف، فتلك خيانتهما. وأخرج ابن المنذر عنه : قال : ما بغت امرأة نبيّ قط، وقد رواه ابن عساكر مرفوعاً. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن سلمان قال : كانت امرأة فرعون تعذب بالشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى بيتها في الجنة. وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة : أن فرعون وتد لامرأته أربعة أوتاد، وأضجعها على ظهرها وجعل على صدرها رحى، واستقبل بها عين الشمس، فرفعت رأسها إلى السماء، فقَالَت رَبّ ابن لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الجنة إلى قوله : مِنَ الظالمين ففرج الله لها عن بيتها في الجنة فرأته. وأخرج أحمد والطبراني والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون مع ما قص الله علينا من خبرها في القرآن قالت : رَبّ ابن لِي عِندَكَ بَيْتاً » الآية. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلاّ آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام». وأخرج وكيع في الغرر عن ابن عباس في قوله : وَنَجّنِى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ قال : من جماعته.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية