فيها، وخسفها ذهابها في السفل. والمشهور أن الباء في مثل هذا الموضع للتعدية؛ أي: يدخلكم ويذهبكم فيها. فَإِذَا فجائية هِيَ أي: الأرض تَمُورُ أي: تضطرب وتتحرّك ذهابًا ومجيئا على خلاف ما كانت عليه من الذلّ والاطمئنان، أو تذهب كما يذهب التراب في الريح. وقال بعضهم: معناه: فإذا الأرض تدور بكم إلى الأرض السفلى، وبعضهم قال: تتكّشف تارة للخوض فيها وتلتئم أخرى للتعذيب بها. والاستفهام للتوبيخ المضمَّن للإنكار، أي: لا تأمنوا مكره وخسفه بكم إن عصيتموه. وقال الخازن: المعنى: أنّ الله تعالى يحرّك الأرض عند الخسف بهم حتى تقلبهم إلى أسفل، وتعلو الأرض عليهم وتمور فوقهم؛ أي: تجيء وتذهب.
قرأ نافع وأبو عمرو والبزّي (١): أأمنتم بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية، وأدخل أبو عمرو وقالون بينهما ألفًا. وقرأ قنبل بإبدال الأولى واوًا لضمة ما قبلها، وعنه وعن ورش أوجه غير هذه، والكوفيون وابن عامر بتحقيقهما.
والمعنى: أأمنتم أن يخسف ربكم بكم الأرض كما خسفها بقارون؛ فإذا هي تتحرك بكم حين الخسف، وتبتلعكم وتمور فوقكم جيئة وذهابًا.
١٧ - ثم انتقل سبحانه من التهديد بهذا إلى التهديد بوجه آخر، فقال: أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا أم منقطعة بمعنى بل الإضرابية، وهمزة الاستفهام الإنكاري، أضرب بها عن التهديد بما سبق إلى التهديد بأمر آخر؛ أي: بل هل أمنتم الإله الذي في السماء أن يرسل وينزل عليكم أيها المشركون حاصبًا؛ أي: حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوطٍ وأصحاب الفيل؛ أي: أم أمنتم من في السماء إرساله عليكم حاصبًا على أن قوله: أَنْ يُرْسِلَ بدل اشتمال من مَنْ أيضًا.
والمعنى (٢): هل جعل لكم من هذين أمان، وإذ لا أمان لكم، فما معنى تماديكم في شرككم فَسَتَعْلَمُونَ عن قريب ألبتة كَيْفَ نَذِيرِ؛ أي: كيف كان إنذاري بالعذاب عند مشاهدتكم للمنذر به أهو واقع أم لا أم شديد أم ضعيف؟!
(٢) روح البيان.
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين بن عبد الله بن يوسف بن حسن الأرمي العلوي الهرري الشافعي
هاشم محمد علي مهدي