ثم ارجع البصرَ كرتينِ أي : كرّره رجعتين مع الأُولى، فتكون ثلاثاً، أو : بالأُولى، وقيل : لمَ يُرد الاقتصار على مرتين، بل أراد به التكرير بكثرةٍ، أي : كرر نظرك ودقّقه مراراً، هل ترى خللاً أو عيباً في السموات ؟ وجواب الأمر : ينقلبْ ؛ يرجع إليك البصرُ خاسئاً ؛ ذليلاً، أو : بعيداً مما تريد، وهو حال من البصر، وهو حَسِيرٌ أي : كليل لطول المعاودة، وكثرة المراجعة، ولم يحصل ما قصد.
وهو العزيز يُعز مَن أقبل عليه، والغفور لمَن رجع بعد الإعراض إليه. الذي خلق سبعَ سموات الأرواح، وتقدّم قريباً تفسيرها، وعالم الأرواح في غاية الإتقان، ليس فيه خلل ولا تفاوت، ولقد زيَّنا السماء الدنيا. قال القشيري : أراد بسماء الدنيا سماء القلب، لدنوه من سماء الروح، أي : زيّنا ونوّرنا سماء القلب بمصابيح العلم وأنوار الواردات القلبية، وسبحات الإلهامات الربانية، وجعلناها رجوماً للشياطين ؛ الخواطر النفسانية، والهواجس الظلمانية الشيطانية، وأعتدنا لتلك الخواطر عذابَ السعير، فيحترق بالخواطر الملكية والرحمانية. هـ. وَفِي ذِكْرِ هولِ الموتِ والقَبْر والبلاَ عَن الشغْل باللذَّاتِ للمرء زَاجِر أَبَعْدَ اقْتِرابِ الأَربَعينَ تَربُّص وشَيْب فَذاك مُنْذِرٌ لك ذَاعِر فَكَمْ في بُطون الأرضِ بعد ظُهورها مَحَاسِنهم فيها بوَالٍ دَوَاثِر وأنت على الدنيا مُكب مُنَافِس لِحُطَامِها فيها حَريص مُكاثر علَى خطرٍ تُمسي وتُصبح لاَهِياً أَتدْرِي بماذا لَوْ عقلت تُخاطِر وَإِنْ أحد يَسعى لدُنياه جَاهداً ويَذْهلُ عن أخراه لا شَكَّ خاسِر فَجدّ ولا تَغفَل، فَعَيشك زائِل وأَنْتِ إِلى دارِ الْمَنِيَّةِ صَائِر
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي