تمهيد : هذا الجزء التاسع والعشرون كلّه من السور المكّية، كما كان الجزء الذي سبقه كله من السور المدنية.
وقد عنى القرآن في مكة بما يأتى :
( أ ) غرس عقيدة التوحيد، والإيمان بالله تعالى، وبيان قدرته وعظمته وصفاته وأسمائه.
( ب ) مهاجمة عبادة الأوثان والأصنام، وبيان أنها لا تنفع ولا تضر، ولا تسمن ولا تغني من جوع.
( ج ) عرض مظاهر القدرة الإلهية في خلق الكون، والسماء والأرض، والجبال والبحار، والليل والنهار، والشمس والقمر، وسائر المخلوقات، كالإنسان والحيوان والطيور والوحوش والزواحف.
( د ) الحديث عن القيامة والبعث والحشر، والجزاء والحساب، والجنة والنار.
( ه ) عرض قصص الأنبياء وجهادهم وكفاحهم، وتسجيل ذكراهم وأمجادهم، وبيان هلاك أعدائهم.
وسورة الملك نموذج عملي للسورة المكية، فهي تبدأ ببيان ملك الله تعالى، وسيطرته وإحاطة علمه، بكل شيء في هذا الكون، وهو سبحانه على كل شيء قدير.
ومن هذه القدرة خلق الموت والحياة للاختبار والابتلاء، حتى يتبيّن الصالح من الطالح.
ومن هذه القدرة خلق السماوات سبع طبقات، بعضها فوق بعض في غاية الكمال والإبداع، مهما بحثت عن عيب أو خلل و تشقق، فلن تجد أي فطور أو تشقق، لأنها أثر من آثار الكامل كمالا مطلقا.
كرتين : رجعتين، رجعة بعد رجعة، والمراد التكرار بكثرة.
خاسئا : صاغرا لعدم وجدان الفطور.
وهو حسير : كليل متعب من كثرة المراجعة.
٤- ثم ارجع البصر كرّتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير.
كرّر النّظر وردّد الطرف، وارجع مرة أخرى، بل مرة إثر مرة، فمهما نظرت إلى السماء باحثا عن عيب أو خلل أو فطور أو تشقق فلن تجد عيبا، وسيرتد إليك البصر كليلا متعبا، فقد عاد بدون طائل.
إن الكون كتاب مفتوح، ينظر فيه الأعمى والبصير، وساكن القصور وساكن الأكواخ، ينظر إلى السماء، البدويّ في الصحراء، وراكب البحار، والفلكي بالمنظار، وكل واحد من هؤلاء يرى الجمال والإبداع، لأن هذا الخلق خلق الله وتقديره وإبداعه، فسبحانه الذي أحسن كل شيء خلقه... ( السجدة : ٧ ).
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة