ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ أي رجعتين مرّة بعد مرّة، وانتصابه على المصدر، والمراد بالتثنية : التكثير، كما في لبيك وسعديك : أي رجعة بعد رجعة وإن كثرت. ووجه الأمر بتكرير النظر على هذه الصفة، أنه قد لا يرى ما يظنه من العيب في النظرة الأولى ولا في الثانية، ولهذا قال أوّلاً : مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تفاوت ثم قال ثانياً : فارجع البصر ثم قال ثالثاً : ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ فيكون ذلك أبلغ في إقامة الحجة، وأقطع للمعذرة يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا أي يرجع إليك البصر ذليلاً صاغراً عن أن يرى شيئًا من ذلك، وقيل : معنى خاسئاً : مبعداً مطروداً عن أن يبصر ما التمسه من العيب، يقال : خسأت الكلب : أي أبعدته وطردته. قرأ الجمهور يَنْقَلِبْ بالجزم جواباً للأمر. وقرأ الكسائي في رواية بالرفع على الاستئناف وَهُوَ حَسِيرٌ أي كليل منقطع. قال الزجاج : أي وقد أعيا من قبل أن يرى في السماء خللاً، وهو فعيل بمعنى فاعل من الحسور، وهو الإعياء، يقال : حسر بصره يحسر حسوراً : أي كلّ وانقطع، ومنه قول الشاعر :
| نظرت إليها بالمحصب من منى | فعاد إليّ الطرف وهو حسير |
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني