وروى أيضا عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: «تقوى الله وحسن الخلق»، وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار؟ فقال: «الفم والفرج».
٣- هدد الله تعالى وأوعد الكفار بأنهم سيعلمون حين يتبين الحق والباطل في الدنيا والآخرة من هو الذي فتن بالجنون، ومن الذي يتبين رجحان عقله، وسلامة منهجه، وصحة دينه واعتقاده؟
ويؤكد ذلك أن الله تعالى هو العالم بمن حاد عن دينه، والذين هم على الهدى والصواب والحق، فيجازي كلّا يوم القيامة بعمله.
الأخلاق الذميمة عند الكفار
[سورة القلم (٦٨) : الآيات ٨ الى ١٦]
فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢)
عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)
الإعراب:
أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ أَنْ كانَ: مفعول لأجله، تقديره: لأن كان ذا مال وبنين، واللام تتعلق بفعل محذوف، تقديره: أيكفر أن كان ذا مال. ولا يجوز أن تتعلق ب تُتْلى لأن إِذا مضافة إليه، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف ولا فيما قبل المضاف، كما لا يجوز أن تتعلق ب قالَ لأنه جواب الشرط، وجواب الشرط لا يعمل فيما قبله.
قالَ: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أَساطِيرُ: خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذه أساطير الأولين.
البلاغة:
حَلَّافٍ، هَمَّازٍ، مَشَّاءٍ، مَنَّاعٍ صيغة مبالغة على وزن فعّال، وكذلك أَثِيمٍ، زَنِيمٍ صيغة مبالغة على وزن فعيل.
سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ استعارة، استعار خرطوم الفيل لأنف الإنسان، للاستهانة والاستخفاف.
المفردات اللغوية:
فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ تهييج للتصميم على مخالفتهم. وَدُّوا لَوْ تمنوا، ولَوْ:
مصدرية. تُدْهِنُ تلين لهم بأن تدع نهيهم عن الشرك، أو توافقهم فيه أحيانا، من الادّهان:
وهو المداهنة واللين والمصانعة. فَيُدْهِنُونَ فيلينون لك بترك الطعن والموافقة، والفاء للعطف على تُدْهِنُ أي تمنوا الملاينة، ولكنهم أخروا ذلك حتى تلين، أو للسببية، أي ودّوا لو تدهن، فهم يدهنون حينئذ. وفي بعض المصاحف: فيدهنوا على أنه جواب التمني المفهوم من وَدُّوا. وعلى قراءة يدهنون يقدر قبله بعد الفاء: هم.
حَلَّافٍ كثير الحلف في الحق والباطل. مَهِينٍ حقير الرأي. هَمَّازٍ عيّاب طعّان مغتاب. مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ يمشي بين الناس بالنميمة والسعاية للإفساد بينهم. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ بخيل بالمال، ويمنع الناس من الإيمان والإنفاق والعمل الصالح. مُعْتَدٍ ظالم، يتجاوز الحق إلى الباطل. أَثِيمٍ آثم، أو كثير الإثم والذنب. عُتُلٍّ غليظ جاف. زَنِيمٍ دعي في قريش، أي يلحق بهم في النسب وليس منهم، وهو الوليد بن المغيرة، ادّعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة، قال ابن عباس: لا نعلم أن الله وصف أحدا بما وصفه به من العيوب، فألحق به عارا لا يفارقه أبدا. وقيل: هو الذي يعرف بالشر واللؤم.
أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ أي لأن كان، والمعنى: أيكفر لأن كان ذا مال. آياتُنا القرآن. أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي هي خرافات وأباطيل الأقدمين. سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ سنجعل على أنفه سمة وعلامة يتميز بها ما عاش، فخطم أنفه بالسيف يوم بدر، أي أصيب أنف الوليد بجراحة يوم بدر، فبقي أثرها. والوسم: وضع علامة على الشيء لتمييزه بها عن غيره.
سبب النزول:
أخرج ابن أبي حاتم عن السّدّي في قوله: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ قال: نزلت في الأخنس بن شريق، وأخرج ابن المنذر عن الكلبي مثله وهو قول
الشعبي وابن إسحاق. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: نزلت في الأسود بن عبد يغوث، أو عبد الرحمن بن الأسود.
والمشهور أن الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة، أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: نزلت على النّبي صلّى الله عليه وسلّم: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ، هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ فلم نعرفه، حتى نزل عليه بعد ذلك: عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ فعرفناه له زنمة كزنمة الشاة «١».
المناسبة:
بعد بيان ما عليه الرسول صلّى الله عليه وسلّم من كمال الدين والخلق، بيّن ما عليه الكفار من الأخلاق الذميمة، والدعوة إلى التشدد معهم ومخالفتهم، مع قلة عدد المؤمنين، وكثرة الكفار.
التفسير والبيان:
فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ أي داوم على مخالفة الكفار المكذبين لرسالتك، وتشدد في ذلك. وهذا نهي صريح من الله سبحانه عن ملاينة المشركين رؤساء مكة لأنهم كانوا يدعونه إلى دين آبائه، فنهاه الله عن طاعتهم أو مجاملتهم في شيء من العقيدة بقصد ترغيبهم في الإسلام. والمراد من النهي: التحميس والتهييج والتشدد في مخالفتهم. قال المفسرون: إن المشركين أرادوا من النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يعبد الله مدة وآلهتهم مدة، وهم يعبدون الله مدة، وآلهتهم مدة، فأنزل الله تعالى: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ.
وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ أي تمنوا لو تلين لهم، فيلينون لك، بأن تركن إلى آلهتهم، وتقربها، وتترك ما أنت عليه من الحق، فيعترفون بعبادة إلهك.
ونظير الآية: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ، لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا، إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ، ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً [الإسراء ١٧/ ٧٤- ٧٥].
ثم خصص تعالى من جميع المكذبين الكفار من اتصف بالأوصاف المذمومة العشرة التالي، غير الكفر، فقال:
١- ٢: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ أي ولا تطع كل شخص كثير الحلف بالباطل حقير الرأي والفكر. ومثله قوله تعالى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ [البقرة ٢/ ٢٢٤]. وفيه إشارة إلى أن عزّة النفس منوطة بتصحيح نسبة العبودية، ومهانة النفس مربوطة بالغفلة عن سرّ الربوبية، وأيضا الحلاف يكذب كثيرا، والكذاب حقير عند الناس.
٣- ٤: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ أي عيّاب طعّان يذكر الناس بالشرّ في وجوههم، يمشي بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم. أما اللمّاز: فهو الذي يذكر الناس في مغيبهم.
روى الجماعة إلا ابن ماجه عن حذيفة قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «لا يدخل الجنة قتّات»
أي نمام.
٥- ٦: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ، مُعْتَدٍ، أَثِيمٍ أي بخيل: يمنع الخير عن الناس من الإيمان والإنفاق والعمل الصالح، ظالم متجاوز الحق وحدود الله من أمر ونهي، كثير الآثام والذنوب. كان للوليد بن المغيرة عشرة بنين، وكان يقول لهم ولمن قاربهم: لئن تبع دين محمد منكم أحد، لا أنفعه بشيء أبدا. فمنعهم الإسلام، وهو الخير الذي منعهم.
٧- ٨: عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ، زَنِيمٍ أي هو بعد ما ذكر من معايبه غليظ جاف فظّ، شديد الخلق، فاحش الخلق، دعي في قريش ملصق بالقوم وليس هو منهم، مشهور بالشر والسوء.
أخرج الإمام أحمد وأصحاب الكتب الستة إلا أبا داود عن حارثة بن وهب قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ألا أنبئكم بأهل الجنة كل ضعيف متضعّف «١»، لو أقسم على الله لأبرّه، ألا أنبئكم بأهل النار كل عتلّ جوّاظ «٢» مستكبر».
ثم ذكر الله تعالى بعض دوافع ومظاهر كبره وكفره، فقال:
٩- ١٠: أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ أي أيكفر بالله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وسلّم لأن الله أنعم عليه بالأموال والبنين، حيث جعل جزاء النعم الكفر والجحود؟
فذلك لا ينفعه عند ربّه. وهذا تقريع وتوبيخ على مقابلة ما أنعم الله عليه من المال والبنين بالكفر بآيات الله تعالى والإعراض عنها. وقال الزمخشري: متعلق بقوله: وَلا تُطِعْ، يعني: ولا تطعه مع هذه المثالب لأن كان ذا مال، أي ليساره وحظه من الدنيا.
إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي وإنه إذا تليت عليه آيات القرآن، زعم أنها كذب مأخوذ من قصص وأباطيل القدماء، وليس هو من عند الله تعالى.
وهذا كقوله تعالى حكاية عن هذا الطاغية الجبار: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً، وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً، وَبَنِينَ شُهُوداً، وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً، ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ، كَلَّا، إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً، سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً، إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقالَ: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [المدثر ٧٤/ ١١- ٢٥].
(٢) الجوّاظ: الجمّاع المنّاع، الذي يجمع المال ويمنعه.
ثم ذكر الله تعالى عقابه في الدنيا أو الآخرة، فقال:
سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ أي سنجعل له وسما بالسواد على أنفه، فإنه قاتل يوم بدر، فخطم بالسيف في القتال، قال المبرد: الخرطوم هاهنا الأنف. وعبر به إذلالا له واستخفافا به وإهانة له لأن السمة على الوجه أو الأنف شين. وقال جماعة: سَنَسِمُهُ سمة أهل النار، يعني نسود وجهه يوم القيامة، وعبر عن الوجه بالخرطوم، فيسود وجهه بالنار قبل دخولها، فيكون له عليه أو على أنفه علامة.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١- نهى الله تعالى نبيّه- والنهي يقتضي التحريم- ومثله المؤمنون، عن ممايلة المشركين المكذبين لرسالته، وكانوا يدعونه إلى أن يكفّ عنهم ليكفّوا عنه، فبيّن الله تعالى أن مما يلتهم كفر.
٢- تمنى الكفار ملاينة النبي صلّى الله عليه وسلّم ومصانعتهم ومجاملتهم في أديانهم، فيلينون له في دينه، فإنهم طلبوا أن يعبد آلهتهم مدة، ويعبدوا إلهه مدة، ولكن الله نهاه عن ذلك.
٣- خصص الله من بين المكذبين النهي عمن اتصف بصفات عشر: هي الحلاف: الكثير الحلف، المهين: الحقير الرأي والتمييز والتفكير، الهمّاز: الذي يذكر الناس في وجوههم، وهو غير اللماز: الذي يذمهم في مغيبهم، النمام: الذي يمشي بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم، المناع للخير: للمال أن ينفق في وجوهه، ويمنع الناس عن الإسلام، المعتدي: أي الظالم، المتجاوز الحد، صاحب الباطل، الأثيم: الكثير الإثم والذنوب، العتلّ: الغليظ الجافي الشديد في كفره،
الشديد الخصومة بالباطل، الزنيم: الملصق بالقوم الدّعي، وكان الوليد بن المغيرة المخزومي دعيّا في قريش، ليس من أصلهم، ادّعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة من مولده، كما تقدم، [الطاغية المفتري].
٤- وبّخ الله الوليد على مقابلته الإحسان والنعمة بالإساءة، فقد أنعم الله عليه بالمال والبنين، فكفر واستكبر. ويكون تقدير الآية: أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ: ألأن كان ذا مال وبنين يكفر ويستكبر؟ ويجوز أن يكون التقدير:
ألأن كان ذا مال وبنين تطيعه؟ ويجوز أن يكون التقدير: ألأن كان ذا مال وبنين يقول: إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ.
٥- هدد الله الوليد بالوسم على أنفه في الدنيا، وبالعلامة الظاهرة على أنفه في الآخرة. قال ابن عباس: سَنَسِمُهُ: سنخطمه بالسيف، وقد خطم الذي نزلت فيه يوم بدر بالسيف، فلم يزل مخطوما إلى أن مات. وقال قتادة:
سنسمه يوم القيامة على أنفه سمة يعرف بها، وقد قال تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ، وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران ٣/ ١٠٦] فهذه علامة ظاهرة. وقال تعالى:
وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً [طه ٢٠/ ١٠٢]، وهذه علامة أخرى ظاهرة.
فأفادت هذه الآية: سَنَسِمُهُ.. علامة ثالثة وهي الوسم على الأنف بالنار.
والراجح لدي أن هذا الوسم كان في الدارين.
وهذا كله نزل في الوليد بن المغيرة. ولا نعلم أن الله تعالى بلغ من ذكر عيوب أحد ما بلغه منه فألحقه به عارا، لا يفارقه في الدنيا والآخرة كالوسم على الخرطوم «١».
قال ابن العربي بمناسبة قوله تعالى: سَنَسِمُهُ: كان الوسم في الوجه لذي المعصية قديما عند الناس، حتى إنه روي أن اليهود لما أهملوا رجم الزاني،
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي