ثم ذكر المقسَم عليه، فقال : ما أنت بنعمةِ ربك بمجنونٍ أي : ليس بك جنون كما يزعمه الكفرة، ف ( بنعمة ربك ) : اعتراض بين " ما " وخبرها، كما تقول : أنت بحمد الله فاضل، وقيل : المجرور في موضع الحال، والعامل فيه معنى النفي، كأنه قيل : أنت بريء من الجنون، ملتبساً بنعمة ربك، التي هي النبوة والرسالة. والتعبير بعنوان الربوبية المنبئة عن التبليغ إلى معاريج الكمال، مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم لتشريفه عليه السلام، والإيذان بأنه تعالى يُتم نعمته عليه، ويُبلغه من العلو إلى غاية لا غاية وراءه، والمراد : تنزيهه عليه السلام عما كانوا ينسبونه من الجنون حسداً وعداوة ومكابرة، مع جزمهم بأنه صلى الله عليه وسلم في غاية الغايات القاصية، ونهاية النهايات الثابتة من حصافة العقل، ورزانة الرأي.
وقال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمان العارف : كان صلى الله عليه وسلم على خُلقٍ عظيم ؛ لشرح صدره بالنور، كما قال تعالى : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [ الشرح : ١ ]، ولحديث شرح صدره وشقه وتطهيره، ونزع حظ الشيطان منه، ثم إفراغ الحكمة والنور فيه، حتى مُلئ بذلك، فكان شيئاً محضاً لله تعالى، لا تعلُّق له بغيره، فناسب القرآن، وصار خُلقاً له، منقوشاَ فيه، من غير روية، ولا تكسب في ذلك، بل طُبع على ذلك، وسرى فيه أمر الوحي، وجرى على مقتضاه في جميع أحواله، ولذلك تجد السُنة مشرعة من القرآن، وخارجة منه خروج اللبن من الضرع، والزبد من اللبن، فصار متخلّقاً بالقرآن، وفي الحقيقة متخلّقاً بخُلق الله، ومظهرَ أوصافه، ومجلاة سره وشأنه، إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ [ الفتح : ١٠ ] الآية، ومَن رآه فقد رأى الحق. والله أعلم. هـ. فعائشة رضي الله عنها احتشمت وسترت حيث عبّرت بالقرآن، ولم تقل كان خلقه خلق الرحمان.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي