فَقَالُوا: عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها لَمَّا اعْتَرَفُوا بِالْخَطِيئَةِ رَجَوْا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُبْدِلَهُمْ جَنَّةً خَيْرًا مِنْ جَنَّتِهِمْ، قِيلَ: إِنَّهُمْ تَعَاقَدُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَقَالُوا: إِنْ أَبْدَلَنَا اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا لَنَصْنَعَنَّ كَمَا صَنَعَ أَبُونَا، فَدَعَوُا اللَّهَ وَتَضَرَّعُوا فَأَبْدَلَهُمْ مِنْ لَيْلَتِهِمْ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا. قَرَأَ الْجُمْهُورُ: يُبْدِلَنا بِالتَّخْفِيفِ، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ بِالتَّشْدِيدِ، وَهُمَا لُغَتَانِ، وَالتَّبْدِيلُ: تَغْيِيرُ ذَاتِ الشَّيْءِ، أَوْ تَغْيِيرُ صِفَتِهِ، وَالْإِبْدَالُ: رَفْعُ الشَّيْءِ جُمْلَةً وَوَضْعُ آخَرَ مَكَانَهُ، كَمَا مَضَى فِي سُورَةِ سَبَأٍ إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ أَيْ: طَالِبُونَ مِنْهُ الْخَيْرَ، رَاجُونَ لِعَفْوِهِ، رَاجِعُونَ إِلَيْهِ. وَعُدِّيَ بِإِلَى وَهُوَ إِنَّمَا يَتَعَدَّى بِعْنَ أَوْ فِي لِتَضْمِينِهِ مَعْنَى الرُّجُوعِ كَذلِكَ الْعَذابُ أَيْ:
مِثْلُ ذَلِكَ الْعَذَابُ الَّذِي بَلَوْنَاهُمْ بِهِ وَبَلَوْنَا أَهْلَ مَكَّةَ بعذاب الدنيا، والعذاب مبتدأ مؤخر، وكذلك خَبَرُهُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أَيْ: أَشَدُّ وَأَعْظَمُ لَوْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ قَالَ: هُمْ نَاسٌ مِنَ الْحَبَشَةِ كَانَ لِأَبِيهِمْ جَنَّةٌ وَكَانَ يُطْعِمُ مِنْهَا الْمَسَاكِينَ، فَمَاتَ أَبُوهُمْ، فَقَالَ بَنُوهُ: إِنْ كَانَ أَبُونَا لَأَحْمَقَ، كَانَ يُطْعِمُ الْمَسَاكِينَ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ وَأَنْ لَا يُطْعِمُوا مِسْكِينًا. وَأَخْرَجَ ابن جرير عنه فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ قَالَ: أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«إِيَّاكُمْ وَالْمَعْصِيَةَ، فَإِنَّ الْعَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ الْوَاحِدَ فَيَنْسَى بِهِ الْبَابَ مِنَ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيُذْنِبُ فيحرم به قيام الليل، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُحْرَمَ بِهِ رِزْقًا قَدْ كَانَ هُيِّئَ لَهُ. ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ قَدْ حُرِمُوا خَيْرَ جَنَّتِهِمْ بِذَنْبِهِمْ». وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: كَالصَّرِيمِ قَالَ:
مِثْلُ اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ وَهُمْ يَتَخافَتُونَ قَالَ: الْإِسْرَارُ وَالْكَلَامُ الْخَفِيُّ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ أَيْضًا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ يَقُولُ: ذوي قُدْرَةٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: إِنَّا لَضَالُّونَ قَالَ: أُضْلِلْنَا مَكَانَ جَنَّتِنَا. وَأَخْرَجَا عَنْهُ أَيْضًا قالَ أَوْسَطُهُمْ قال:
أعدلهم.
[سورة القلم (٦٨) : الآيات ٣٤ الى ٥٢]
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (٣٨)
أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٤١) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ (٤٣)
فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨)
لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَما هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٥٢)
لَمَّا فَرَغَ سُبْحَانَهُ مِنْ ذِكْرِ حَالِ الْكُفَّارِ، وَتَشْبِيهِ ابْتِلَائِهِمْ بِابْتِلَاءِ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ الْمَذْكُورَةِ ذَكَرَ حَالَ الْمُتَّقِينَ، وَمَا أَعَدَّهُ لَهُمْ مِنَ الْخَيْرِ، فَقَالَ: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ أَيْ: لِلْمُتَّقِينَ مَا يُوجِبُ سُخْطَهُ- مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي- عِنْدَهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ جَنَّاتُ النَّعِيمِ الْخَالِصِ الَّذِي لَا يَشُوبُهُ كَدَرٌ وَلَا يُنَغِّصُهُ خَوْفُ زَوَالٍ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ الِاسْتِفْهَامُ لِلْإِنْكَارِ. وَكَانَ صَنَادِيدُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ يَرَوْنَ وُفُورَ حَظِّهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَقِلَّةَ حُظُوظِ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا، فَلَمَّا سَمِعُوا بِذِكْرِ الْآخِرَةِ، وَمَا يُعْطِي اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا قَالُوا: إِنْ صَحَّ مَا يَزْعُمُهُ مُحَمَّدٌ لَمْ يَكُنْ حَالُنَا وَحَالُهُمْ إِلَّا مِثْلَ مَا هِيَ فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ اللَّهُ مُكَذِّبًا لَهُمْ رَادًّا عَلَيْهِمْ: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ الْآيَةَ، وَالْفَاءُ لِلْعَطْفِ عَلَى مُقَدَّرٍ كَنَظَائِرِهِ. ثُمَّ وَبَّخَهُمُ اللَّهُ، فَقَالَ: مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ هَذَا الْحُكْمَ الْأَعْوَجَ كَأَنَّ أَمْرَ الْجَزَاءِ مُفَوَّضٌ إِلَيْكُمْ تَحْكُمُونَ فِيهِ بِمَا شِئْتُمْ أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ أي: تقرؤون فِيهِ فَتَجِدُونَ الْمُطِيعَ كَالْعَاصِي، وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ- فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ «١»، ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ:
إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِكَسْرِ إِنَّ عَلَى أَنَّهَا مَعْمُولَةٌ لِتَدْرُسُونَ، أَيْ: تَدْرُسُونَ فِي الْكِتَابِ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ فَلَمَّا دَخَلَتِ اللَّامُ كُسِرَتِ الْهَمْزَةُ، كَقَوْلِهِ: عَلِمْتُ إِنَّكَ لَعَاقِلٌ بِالْكَسْرِ، أَوْ عَلَى الْحِكَايَةِ لِلْمَدْرُوسِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ- سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ «٢» وَقِيلَ:
قَدْ تَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: تَدْرُسُونَ ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ أَيْ: لَيْسَ لَكُمْ ذَلِكَ، وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وَالضَّحَّاكُ إِنَّ لَكُمْ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ فِيهِ تَدْرُسُونَ مَعَ زِيَادَةِ لَامِ التَّأْكِيدِ، وَمَعْنَى تَخَيَّرُونَ: تَخْتَارُونَ وَتَشْتَهُونَ. ثُمَّ زَادَ سُبْحَانَهُ فِي التَّوْبِيخِ فَقَالَ: أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ أَيْ: عُهُودٌ مُؤَكَّدَةٌ مُوَثَّقَةٌ مُتَنَاهِيَةٌ، وَالْمَعْنَى: أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَى اللَّهِ اسْتَوْثَقْتُمْ بِهَا فِي أَنْ يُدْخِلَكُمُ الْجَنَّةَ، وَقَوْلُهُ:
إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُقَدَّرِ فِي لَكُمْ، ثَابِتَةٌ لَكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا نَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهَا حَتَّى يَحْكُمَكُمْ يَوْمَئِذٍ، وَجَوَابُ الْقَسَمِ قَوْلُهُ: إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ لِأَنَّ مَعْنَى أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ أَيْ: أَمْ أَقْسَمْنَا لَكُمْ.
قَالَ الرَّازِيُّ: وَالْمَعْنَى أَمْ ضَمِنَّا لَكُمْ، وَأَقْسَمْنَا لَكُمْ بِأَيْمَانٍ مُغَلَّظَةٍ مُتَنَاهِيَةٍ فِي التَّوْكِيدِ. وَقِيلَ: قَدْ تَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ: بالِغَةٌ بِالرَّفْعِ عَلَى النَّعْتِ لِأَيْمَانٍ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِهَا عَلَى الْحَالِ مِنْ أَيْمَانٍ لِأَنَّهَا قَدْ تَخَصَّصَتْ بِالْوَصْفِ، أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي لَكُمْ أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي عَلَيْنَا سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ أَيْ:
سَلْ يَا مُحَمَّدُ الْكُفَّارَ، مُوَبِخًا لَهُمْ وَمُقَرِّعًا، أَيُّهُمُّ بِذَلِكَ الْحُكْمِ الْخَارِجِ عَنِ الصَّوَابِ، كَفِيلٌ لَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مَا لِلْمُسْلِمِينَ فِيهَا. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: الزَّعِيمُ هُنَا الْقَائِمُ بِالْحُجَّةِ وَالدَّعْوَى. وَقَالَ الْحَسَنُ: الزَّعِيمُ:
الرَّسُولُ أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ يشاركونهم في هذا القول ويوافقونهم فيه فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ
(٢). الصافات: ٧٨- ٧٩.
فيما يقولون، وهو أمر تعجيز. وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ يَجْعَلُونَهُمْ مِثْلَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْآخِرَةِ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ يَوْمَ ظَرْفٌ، لِقَوْلِهِ فَلْيَأْتُوا، أَيْ: فَلْيَأْتُوا بِهَا يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أَيِ: اذْكُرْ يَوْمَ يُكْشَفُ. قَالَ الْوَاحِدِيُّ: قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ: عَنْ ساقٍ عَنْ شِدَّةٍ مِنَ الْأَمْرِ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أَصْلُ هَذَا أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا وَقَعَ فِي أَمْرٍ عَظِيمٍ يَحْتَاجُ إِلَى الْجِدِّ فِيهِ شَمَّرَ عَنْ سَاقِهِ، فَيُسْتَعَارُ الْكَشْفُ عَنِ السَّاقِ فِي مَوْضِعِ الشِّدَّةِ، وَأَنْشَدَ لِدُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةَ:
| كَمِيشُ الْإِزَارِ خَارِجٌ نِصْفُ سَاقِهِ | صَبُورٌ عَلَى الْجَلَاءِ طَلَّاعُ أَنْجُدِ |
إِذَا اشْتَدَّ الْحَرْبُ وَالْأَمْرُ قِيلَ: كَشَفَ الْأَمْرُ عَنْ سَاقِهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ: مَنْ وَقَعَ فِي شَيْءٍ يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْجِدِّ شَمَّرَ عَنْ سَاقِهِ، فَاسْتُعِيرَ السَّاقُ وَالْكَشْفُ عَنْ مَوْضِعِ الشِّدَّةِ، وَهَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَقَدِ اسْتَعْمَلَتْ ذَلِكَ الْعَرَبُ فِي أَشْعَارِهَا، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ «١» :
| أَخُو الْحَرْبِ إِنْ عَضَّتْ بِهِ الْحَرْبُ عَضَّهَا | وَإِنْ شَمَّرَتْ عَنْ سَاقِهَا الحرب شمّرا |
| وَالْخَيْلُ تَعْدُو عِنْدَ وَقْتِ الْإِشْرَاقِ | وَقَامَتِ الْحَرْبُ بِنَا عَلَى سَاقِ |
| قَدْ كَشَفَتْ عَنْ سَاقِهَا فَشُدُّوا | وَجَدَّتِ الْحَرْبُ بِكُمْ فَجِدُّوا |
| فِي سَنَةٍ قَدْ كشفت عن ساقها | حمراء تُبْرِي اللَّحْمَ عَنْ عُرَاقِهَا «٢». |
قَرَأَ الْجُمْهُورُ يُكْشَفُ بِالتَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ أَبِي عَبْلَةَ تَكْشِفُ بِالْفَوْقِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، أَيِ: الشِّدَّةُ أَوِ السَّاعَةُ، وَقُرِئَ بِالْفَوْقِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وَقُرِئَ بِالنُّونِ، وَقُرِئَ بِالْفَوْقِيَّةِ الْمَضْمُومَةِ وَكَسْرِ الشِّينِ مِنْ أُكْشِفَ الْأَمْرُ، أَيْ: دَخْلَ فِي الْكَشْفِ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ قَالَ الْوَاحِدِيُّ: قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: يَسْجُدُ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ لِلَّهِ سَجْدَةً وَاحِدَةً، وَيَبْقَى الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ يُرِيدُونَ أَنْ يَسْجُدُوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ لِأَنَّ أَصْلَابَهُمْ تَيْبَسُ فَلَا تَلِينُ لِلسُّجُودِ. قَالَ الرَّبِيعُ بن أنس: يكشف
(٢). «العراق» : العظم بغير لحم.
عَنِ الْغِطَاءِ فَيَقَعُ مَنْ كَانَ آمَنَ بِاللَّهِ فِي الدُّنْيَا فَيَسْجُدُونَ لَهُ، وَيُدْعَى الْآخَرُونَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا آمَنُوا بِاللَّهِ فِي الدُّنْيَا، وَانْتِصَابُ خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ عَلَى الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ «يُدْعَوْنَ»، وَ «أَبْصَارُهُمْ» مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ، وَنِسْبَةُ الْخُشُوعِ إِلَى الْأَبْصَارِ، وَهُوَ الْخُضُوعُ وَالذِّلَّةُ لِظُهُورِ أَثَرِهِ فِيهَا تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ أَيْ: تَغْشَاهُمْ ذِلَّةٌ شَدِيدَةٌ وَحَسْرَةٌ وَنَدَامَةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ أَيْ:
فِي الدُّنْيَا وَهُمْ سالِمُونَ أَيْ: مُعَافَوْنَ عَنِ الْعِلَلِ متمكّنون من الفعل. قال إبراهيم التّيمي: يُدْعُونَ بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فَيَأْبَوْنَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَسْمَعُونَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ فَلَا يُجِيبُونَ. قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: وَاللَّهِ مَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِلَّا فِي الَّذِينَ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجَمَاعَاتِ. وَقِيلَ: يُدْعُونَ بِالتَّكْلِيفِ الْمُتَوَجِّهِ عَلَيْهِمْ بِالشَّرْعِ فَلَا يُجِيبُونَ، وَجُمْلَةُ وَهُمْ سالِمُونَ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ يُدْعُونَ فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ أي: حل بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَكِلْ أَمْرَهُ إِلَيَّ فَأَنَا أَكْفِيكَهُ. قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَاهُ لَا يَشْتَغِلُ بِهِ قَلْبُكَ، كله إليّ أكفك أَمْرَهُ. وَالْفَاءُ لِتَرْتِيبِ مَا بَعْدَهَا مِنَ الْأَمْرِ على ما قبلها، ومَنْ مَنْصُوبٌ بِالْعَطْفِ عَلَى ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْقُرْآنُ، قَالَهُ السُّدِّيُّ. وَقِيلَ: يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَفِي هَذَا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجُمْلَةُ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيَانِ كَيْفِيَّةِ التَّعْذِيبِ لَهُمُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ، وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى «مَنْ» بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهَا، وَالْمَعْنَى: سَنَأْخُذُهُمْ بِالْعَذَابِ عَلَى غَفْلَةٍ، وَنَسُوقُهُمْ إِلَيْهِ دَرَجَةً فَدَرَجَةً حَتَّى نُوقِعَهُمْ فِيهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ اسْتِدْرَاجٌ لِأَنَّهُمْ يَظُنُّونَهُ إِنْعَامًا وَلَا يُفَكِّرُونَ فِي عَاقِبَتِهِ وَمَا سَيَلْقَوْنَ فِي نِهَايَتِهِ. قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ:
يُسْبِغُ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ وَيُنْسِيهِمُ الشُّكْرَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَجٍ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ! وَكَمْ مِنْ مَفْتُونٍ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ! وَكَمْ مِنْ مَغْرُورٍ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ! وَالِاسْتِدْرَاجُ: تَرْكُ الْمُعَاجَلَةِ، وَأَصْلُهُ النَّقْلُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَيُقَالُ: اسْتَدْرَجَ فُلَانٌ فُلَانًا، أَيِ: اسْتَخْرَجَ مَا عِنْدَهُ قَلِيلًا قَلِيلًا، ويقال: درّجه إلى كذا واستدرجه، بمعنى، أي «١» أَدْنَاهُ إِلَى التَّدْرِيجِ فَتَدَرَّجَ هُوَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ يُمْهِلُ الظَّالِمِينَ، فَقَالَ: وَأُمْلِي لَهُمْ أَيْ: أَمْهِلُهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا.
وَقَدْ مَضَى تَفْسِيرُ هَذَا فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَالطُّورِ، وَأَصْلُ الْمَلَاوَةِ: الْمُدَّةُ مِنَ الدَّهْرِ، يُقَالُ: أَمْلَى اللَّهُ لَهُ، أَيْ: أَطَالَ لَهُ الْمُدَّةَ، وَالْمَلَا، مَقْصُورٌ: الْأَرْضُ الْوَاسِعَةُ، سُمِّيَتْ بِهِ لِامْتِدَادِهَا إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ أَيْ: قَوِيٌّ شَدِيدٌ فَلَا يَفُوتُنِي شَيْءٌ، وَسَمَّى سُبْحَانَهُ إِحْسَانَهُ كَيْدًا، كَمَا سَمَّاهُ اسْتِدْرَاجًا لِكَوْنِهِ فِي صُورَةِ الْكَيْدِ بِاعْتِبَارِ عَاقِبَتِهِ وَوَصَفَهُ بِالْمَتَانَةِ لقوّة أثره في التسبب للهلاك أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً أَعَادَ سُبْحَانَهُ الْكَلَامَ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ أَيْ: أَمْ تَلْتَمِسُ مِنْهُمْ ثَوَابًا عَلَى مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ الْمَغْرَمُ: الْغَرَامَةُ، أَيْ: فَهُمْ مِنْ غَرَامَةِ ذَلِكَ الأجر، و «مثقلون» أَيْ: يَثْقُلُ عَلَيْهِمْ حَمْلُهُ لِشُحِّهِمْ بِبَذْلِ الْمَالِ، فَأَعْرَضُوا عَنْ إِجَابَتِكَ بِهَذَا السَّبَبِ، وَالِاسْتِفْهَامُ لِلتَّوْبِيخِ لَهُمْ، وَالْمَعْنَى: أَنَّكَ لَمْ تَسْأَلْهُمْ ذَلِكَ وَلَمْ تَطْلُبْهُ مِنْهُمْ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ أَيِ: اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ، أَوْ كُلَّ مَا غَابَ عنهم، فهم
مِنْ ذَلِكَ الْغَيْبِ يَكْتُبُونَ مَا يُرِيدُونَ مِنَ الْحُجَجِ الَّتِي يَزْعُمُونَ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى قَوْلِهِمْ، وَيُخَاصِمُونَكَ بِمَا يَكْتُبُونَهُ مِنْ ذَلِكَ وَيَحْكُمُونَ لِأَنْفُسِهِمْ بِمَا يُرِيدُونَ وَيَسْتَغْنُونَ بِذَلِكَ عَنِ الْإِجَابَةِ لَكَ وَالِامْتِثَالِ لِمَا تَقُولُهُ: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ أَيْ: لِقَضَائِهِ الَّذِي قَدْ قَضَاهُ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ، قِيلَ: وَالْحُكْمُ هُنَا هُوَ إِمْهَالُهُمْ وَتَأْخِيرُ نُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَقِيلَ: هُوَ مَا حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، قِيلَ: وَهَذَا مَنْسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ يَعْنِي يُونُسَ عَلَيْهِ السلام، أي: لَا تَكُنْ مِثْلَهُ فِي الْغَضَبِ وَالضَّجَرِ وَالْعَجَلَةِ. وَالظَّرْفُ فِي قَوْلِهِ: إِذْ نَادَى مَنْصُوبٌ بِمُضَافٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: لَا تَكُنْ حَالُكَ كَحَالِهِ وَقْتَ نِدَائِهِ، وَجُمْلَةُ وَهُوَ مَكْظُومٌ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ فَاعِلِ نَادَى، وَالْمَكْظُومُ: الْمَمْلُوءُ غَيْظًا وَكَرْبًا. قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ اللَّهَ يُعَزِّي نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَأْمُرُهُ بِالصَّبْرِ وَلَا يَعْجَلُ كَمَا عَجَلَ صَاحِبُ الْحُوتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ قِصَّتِهِ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَيُونُسَ وَالصَّافَّاتِ، وَكَانَ النِّدَاءُ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ «١» وَقِيلَ:
إِنَّ الْمَكْظُومَ: الْمَأْخُوذُ بِكَظْمِهِ وَهُوَ مَجْرَى النَّفَسِ. قَالَهُ الْمُبَرِّدُ، وَقِيلَ: هُوَ الْمَحْبُوسُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
| وَأَنْتَ مِنْ حُبِّ مَيٍّ مُضْمِرٌ حُزْنًا | عَانِي الْفُؤَادِ قَرِيحُ الْقَلْبِ مَكْظُومُ |
الْحَسَنُ وَابْنُ كَيْسَانَ: لَيَقْتُلُونَكَ. قَالَ الزَّجَّاجُ فِي الْآيَةِ: مَذْهَبُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالتَّأْوِيلُ أَنَّهُمْ مِنْ شِدَّةِ إِبْغَاضِهِمْ وَعَدَاوَتِهِمْ يَكَادُونَ بِنَظَرِهِمْ نَظَرَ الْبَغْضَاءِ أَنْ يَصْرَعُوكَ، وَهَذَا مُسْتَعْمَلٌ فِي الْكَلَامِ، يَقُولُ الْقَائِلُ نَظَرَ إِلَيَّ نَظَرًا يَكَادُ يَصْرَعُنِي، وَنَظَرًا يَكَادُ يَأْكُلُنِي. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَيْسَ يُرِيدُ اللَّهُ أَنَّهُمْ يُصِيبُونَكَ بِأَعْيُنِهِمْ كَمَا يُصِيبُ الْعَائِنُ بِعَيْنِهِ مَا يُعْجِبُهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ إِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ نَظَرًا شَدِيدًا بِالْعَدَاوَةِ والبغضاء يكاد يسقطك، كما قال الشاعر:
| يتقارضون إِذَا الْتَقَوْا فِي مَجْلِسٍ | نَظَرًا يُزِيلُ مَوَاطِئَ الْأَقْدَامِ |
الضَّمِيرُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم وإنه مُذَكِّرٌ لِلْعَالَمِينَ أَوْ شَرَفٌ لَهُمْ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: «يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ، وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودَ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا» وَهَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ مِنْ طُرُقٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَلَهُ أَلْفَاظٌ فِي بَعْضِهَا طُولٌ، وَهُوَ حَدِيثُ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَنْدَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْآيَةِ قَالَ: يَكْشِفُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ سَاقِهِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ مَنْدَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْآيَةِ قَالَ: يَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وابن مردويه فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَضَعَّفَهُ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْآيَةِ قَالَ: «عَنْ نُورٍ عَظِيمٍ فَيَخِرُّونَ لَهُ سُجَّدًا». وَأَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ مَنْدَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْآيَةِ قَالَ: يُكْشَفُ عَنْ أَمْرٍ عَظِيمٍ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ قَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ. قَالَ: وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، وَيَقْسُو ظَهْرَ الْكَافِرِ فَيَصِيرُ عَظْمًا وَاحِدًا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ قَالَ: إِذَا خَفِيَ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ فَابْتَغُوهُ فِي الشِّعْرِ فَإِنَّهُ دِيوَانُ الْعَرَبِ، أَمَا سَمِعْتُمْ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
وَقَامَتِ الْحَرْبُ بِنَا عَلَى سَاقٍ «١»
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هذ يَوْمُ كَرْبٍ شَدِيدٍ، رُوِيَ عَنْهُ نَحْوُ هَذَا مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى، وَقَدْ أَغْنَانَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ في
تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ بِمَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا عَرَفْتَ، وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ تَجْسِيمًا وَلَا تَشْبِيهًا فَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
| دَعُوا كُلَّ قَوْلٍ عِنْدَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ | فَمَا آمَنَ فِي دِينِهِ كَمُخَاطِرِ |
هُمُ الْكُفَّارُ يُدْعُونَ فِي الدُّنْيَا وَهُمْ آمِنُونَ فَالْيَوْمَ يُدْعُونَ وَهُمْ خَائِفُونَ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَنْهُ فِي الْآيَةِ قَالَ: الرَّجُلُ يَسْمَعُ الْأَذَانَ فَلَا يُجِيبُ الصَّلَاةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ:
لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ قَالَ: يُنْفِذُونَكَ بأبصارهم. صفحة رقم 332
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني