الآية ٨ وقوله تعالى : فلا تطع المكذبين كقوله١ في موضع آخر ولا تطع منهم آثما أو كفورا [ الإنسان : ٢٤ ].
ليس في قوله : فلا تطع المكذبين أمر من الله تعالى بأن يطيع المصدقين، فمن صدقه وآمن به لا يجوز أن يتقدم بين يديه، فيأمره أو ينهاه عن أمر، ويدعوه إلى الطاعة، بل ينظر إلى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهيه، فيأتمر بأمره، ويطيعه في ما يدعوه إليه.
وأما من كذبه فقد يدعوه إلى طاعته، فخص ذكر المكذب عندما نهاه عن طاعته، لأن الدعاء إلى الطاعة يوجد لا من المصدق دون أن يتضمن قوله : فلا تطع المكذبين أمرا بطاعة المصدق، وهو كقوله تعالى : ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق [ الإسراء : ٣١ ] فليس فيه أنه إذا لم يخش الإملاق يسعه قتله، ولكنه خص تلك الحالة، لأن تلك الحالة هي التي كانت تحملهم إلى القتل، ولم يكونوا يقدمون على القتل عند الأمن من الإملاق.
وفي هذا دلالة إبطال قول من قال : إن تخصيص الشيء بالذكر، يدل على أن الحكم في ما غايره بخلافه، والله أعلم.
وقوله تعالى : المكذبين هم المكذبون بآيات الله تعالى أو بوحدانيته أو برسله أو بالبعث.
ثم يجوز أن يكون هذا الأمر منهم في أول الأحوال، فكانوا يطمعون من رسول الله الإجابة لهم في ما يدعون إليه ؛ إذ كانوا يرجون منه الموافقة لهم بما يبذلون له من المال، فيكون النهي راجعا إلى ذلك الوقت.
فأما بعد ما ظهرت منه الصلابة والتشمير لأمر الله تعالى، فلا يحتمل أن يطيعهم، أو يخاف منهم٢ ذلك، فينهى عنه.
٢ في الأصل و م: منه..
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم