المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أن نوحا أمر أن ينذر قومه قبل أن يحل بهم بأس ربهم، وعظيم بطشه، وأنه لبّى نداءه، فأنذرهم وأمرهم بتقواه وطاعته، ليغفر ذنوبهم، ويمد في أعمارهم- أردف ذلك بمناجاته لربه وشكواه إليه، أنه أنذرهم بما أمره به، فعصوه وردوا عليه ما أتاهم به من عنده، ولم يزدهم دعاؤه إلا إدبارا عنه، وهربا منه، وأنه كان يدعوهم تارة جهرة، وتارة سرا، وأمرهم أن يطلبوا من ربهم مغفرة ذنوبهم، ليرسل المطر عليهم، ويمدهم بالأموال والبنين، ويجعل لهم الجنات والأنهار، ثم نبههم إلى عظمته تعالى، وواسع قدرته، ولفت أنظارهم إلى خلقه تعالى لهم أطوارا، وخلقه للسماوات طباقا، وجعل القمر فيهن نورا، وجعل الشمس سراجا، وجعل الأرض كالبساط يتنقلون فيها من واد إلى واد، ومن قطر إلى قطر.
والله أنبتكم من الأرض نباتا أي والله أنبت أباكم آدم من الأرض كما قال : إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب [ آل عمران : ٥٩ ].
وقد يكون المعنى : إنه أنبت كل البشر من الأرض، لأنه خلقهم من النطف وهي متوالدة من الأغذية المتوالدة من النبات المتوالد من الأرض.
وجعلهم نباتا لأنهم ينمون كما ينموا النبات ويلدون ويموتون، وأيديهم وأرجلهم كأفرع النبات، وعروقهم المتشعبة في الجسم والتي يجري فيها الدم وينتشر في الأطراف، تشبه ما في الشجر، وأحوالهم مختلفة كأحوال النبات، فمنه الحلو والمر والطيب والخبيث، واستعدادهم مختلف كاستعداد النبات، فلكل امرئ خاصة كما لكل نوع من النبات خاصة.
تفسير المراغي
المراغي