ﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟ

وَقَوْلُهُ: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأرْضِ نَبَاتًا هَذَا اسم مصدر، والإتيان به هاهنا أَحْسَنُ، ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا أَيْ: إِذَا مُتُّمْ وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعِيدُكُمْ كَمَا بَدَأَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ.
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِسَاطًا أَيْ: بَسَطَهَا وَمَهَّدَهَا وَقَرَّرَهَا وثَبتها بِالْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ الشُّمِّ الشَّامِخَاتِ.
لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلا فِجَاجًا أَيْ: خَلَقَهَا لَكُمْ لِتَسْتَقِرُّوا عَلَيْهَا وَتَسْلُكُوا فِيهَا (١) أَيْنَ شِئْتُمْ، مِنْ نَوَاحِيهَا وَأَرْجَائِهَا وَأَقْطَارِهَا، وَكُلُّ هَذَا مِمَّا يُنَبِّهُهُمْ بِهِ نُوحٌ، عَلَيْهِ السَّلَامُ على قدرة الله وعظمته في خلق السموات وَالْأَرْضِ، وَنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ فِيمَا جَعَلَ لَهُمْ مِنَ الْمَنَافِعِ السَّمَاوِيَّةِ وَالْأَرْضِيَّةِ، فَهُوَ الْخَالِقُ الرَّزَّاقُ، جَعَلَ السَّمَاءَ بِنَاءً، وَالْأَرْضَ مِهَادًا، وَأَوْسَعَ (٢) عَلَى خَلْقِهِ مِنْ رِزْقِهِ، فَهُوَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُعْبَدَ وَيُوَحَّدَ وَلَا يُشْرَكَ بِهِ أَحَدٌ؛ لِأَنَّهُ لَا نَظِيرَ لَهُ وَلَا عَديل (٣) لَهُ، وَلَا نِدَّ وَلَا كُفْءَ، وَلَا صَاحِبَةَ وَلَا وَلَدَ، وَلَا وَزِيرَ وَلَا مُشِيرَ، بَلْ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ.
قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلا ضَلالا (٢٤)
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ أَنْهَى إِلَيْهِ، وَهُوَ الْعَلِيمُ الَّذِي لَا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ، أَنَّهُ مَعَ الْبَيَانِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، وَالدَّعْوَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ الْمُتَشَمِّلَةِ عَلَى التَّرْغِيبِ تَارَةً وَالتَّرْهِيبِ أُخْرَى: أَنَّهُمْ عَصَوْهُ وَكَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ، وَاتَّبَعُوا أَبْنَاءَ الدُّنْيَا مِمَّنْ غَفَلَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ، وَمُتِّعَ بِمَالٍ وَأَوْلَادٍ، وَهِيَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ اسْتِدْرَاجٌ وَإِنْظَارٌ لَا إِكْرَامٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ: وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلا خَسَارًا قُرئ وَوُلْدُهُ بِالضَّمِّ وَبِالْفَتْحِ، وَكِلَاهُمَا مُتَقَارِبٌ.
وَقَوْلُهُ: وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا قَالَ مُجَاهِدٌ: كُبَّارًا أَيْ عَظِيمًا. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كُبَّارًا أَيْ: كَبِيرًا. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: أَمْرٌ عَجِيبٌ وعُجَاب وعُجَّاب. وَرَجُلٌ حُسَان. وحُسَّان: وجُمَال وجُمَّال، بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ، بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
وَالْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا أَيْ: بِاتِّبَاعِهِمْ فِي تَسْوِيلِهِمْ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ وَالْهُدَى، كَمَا يَقُولُونَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا [سَبَأٍ: ٣٣] وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَهَذِهِ أَسْمَاءُ أَصْنَامِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَقَالَ عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: صَارَتِ الْأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي الْعَرَبِ بَعْدُ: أَمَّا وَد: فَكَانَتْ لكلب بدومة الجندل؛ وأما

(١) في م: "منها".
(٢) في م: "ووسع".
(٣) في م، أ: "ولا عدل".

صفحة رقم 234

سُوَاعٌ: فَكَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادَ، ثُمَّ لِبَنِي غُطَيف بالجُرُف عِنْدَ سَبَأٍ، أَمَّا يُعوقُ: فَكَانَتْ لهَمْدان، وَأَمَّا نَسْرٌ: فَكَانَتْ لِحَمِيرَ لِآلِ ذِي كَلاع، وَهِيَ (١) أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ فِيهَا أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ. فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وتَنَسَّخَ (٢) الْعِلْمُ عُبِدت (٣)
وَكَذَا رُوي عَنْ عِكْرِمَةَ، وَالضَّحَّاكِ، وَقَتَادَةَ، وَابْنِ إِسْحَاقَ، نَحْوُ هَذَا.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَذِهِ أَصْنَامٌ كَانَتْ (٤) تُعْبَدُ فِي زَمَنِ نُوحٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُوسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ [يَغُوثَ] وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٥) قَالَ: كَانُوا قَوْمًا صَالِحِينَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ، وَكَانَ لَهُمْ أَتْبَاعٌ يَقْتَدُونَ بِهِمْ، فَلَمَّا مَاتُوا قَالَ أَصْحَابُهُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَقْتَدُونَ بِهِمْ: لَوْ صَوَرناهم كَانَ أَشْوَقَ لَنَا إِلَى الْعِبَادَةِ إِذَا ذَكَرْنَاهُمْ. فَصَوَّرُوهُمْ، فَلَمَّا مَاتُوا وَجَاءَ آخَرُونَ دَبَّ إِلَيْهِمْ إِبْلِيسُ فَقَالَ: إِنَّمَا كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَبِهِمْ يُسْقَوْنَ الْمَطَرَ، فَعَبَدُوهُمْ. (٦)
وَرَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ شِيثَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ بِشْرٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي جُويبر وَمُقَاتِلٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: وُلِدَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَرْبَعُونَ وَلَدًا، عِشْرُونَ غُلَامًا وَعِشْرُونَ جَارِيَةً، فَكَانَ مِمَّنْ عَاشَ مِنْهُمْ: هَابِيلُ، وَقَابِيلُ، وَصَالِحٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ -وَالَّذِي كَانَ سَمَّاهُ عَبْدَ الْحَارِثِ-ووَدّ، وَكَانَ وَدّ يُقَالُ لَهُ "شِيثَ" وَيُقَالُ لَهُ: "هِبَةُ اللَّهِ" وَكَانَ إِخْوَتُهُ قَدْ سَوّدوه، وَوُلِدَ لَهُ سَوَاع وَيَغُوثُ وَيَعُوقُ وَنَسْرٌ. (٧)
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَر الدّوريُّ، حَدَّثَنِي أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْمُؤَدَّبُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ هُرمز عَنْ أَبِي حزْرَة، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: اشْتَكَى آدَمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعِنْدَهُ بَنُوهُ: وَدٌّ، وَيَغُوثُ، [وَيَعُوقُ] (٨) وَسُوَاعٌ، وَنَسْرٌ -قَالَ وَكَانَ وَدّ أكبَرهم وَأَبَرَّهُمْ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ أَبِي الْمُطَهِّرِ قَالَ: ذَكَرُوا عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ -وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي-يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، قَالَ: فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صِلَاتِهِ قَالَ: ذَكَرْتُمْ يزيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، أَمَا إِنَّهُ قُتِلَ فِي أَوَّلِ أَرْضٍ عُبد فِيهَا غيرُ اللَّهِ. قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ وَدًّا -قَالَ: وَكَانَ وَدٌّ رَجُلًا مُسْلِمًا وَكَانَ مُحَبَّبًا فِي قَوْمِهِ، فَلَمَّا مَاتَ عَسْكَرُوا حَوْلَ قَبْرِهِ فِي أَرْضِ بَابِلَ وَجَزِعُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى إِبْلِيسُ جَزَعهم عَلَيْهِ، تَشَبَّهَ فِي صُورَةِ إِنْسَانٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي أَرَى جَزَعَكُمْ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ، فَهَلْ لَكَمَ أَنْ أُصَوِّرَ لَكُمْ مثله، فيكونَ في ناديكم فتذكرونه؟ قالوا:

(١) في أ: "ونسرا وهي".
(٢) في م: "ونسخ".
(٣) صحيح البخاري برقم (٤٩٢٠).
(٤) في م: "كانت هذه أصنام".
(٥) زيادة من م.
(٦) تفسير الطبري (٢٩/٦٢).
(٧) تاريخ دمشق (٨/١٦٥) "المخطوط").
(٨) زيادة من م، أ.

صفحة رقم 235

تفسير القرآن العظيم

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي

تحقيق

سامي سلامة

الناشر دار طيبة للنشر والتوزيع
سنة النشر 1420
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 8
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية