ﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟ

ولما أيس من إيمانهم شكى إلى ربه، ثم دعا عليهم، كما قال تعالى :
قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً * وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً * وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً * وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً * مِّمَّا خَطِيائَاتِهِمْ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَاراً * وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً * رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً .
يقول الحق جلّ جلاله : قال نوحٌ ربِّ أي : يا رب إِنهم عَصَوْنِي أي : داموا على عصياني فيما أمرتهم، مع ما بلغت في إرشادهم بالعظة والتذكير، ولمّا كان عصيانهم مستبعداً لكونه منكراً فظيعاً ؛ لأنَّ طاعة الرسول واجبة، فأصرُّوا على عصيانه، وعاملوه بأقبح الأحوال والأفعال، أكّد الجملة بإنَّ، واتَّبعوا أي : اتبع فقراؤهم مَن لم يزده مالُه وولدُه إِلاَّ خساراً ، وهم رؤساؤهم، أي : استمروا على اتباع رؤسائهم، الذين أبطرتهم أموالُهم، وغرّتهم أولادُهم، وصار ذلك سبباً لزيادة خسارهم في الآخرة، فصاروا أسوة لهم في الخسران. وفي وصفهم بذلك إشعار بأنهم إنما اتبعوهم لوجَاهتهم الحاصلة لهم بسبب الأموال والأولاد، لِما شاهدوا فيهم من شبهة مصحِّحة للاتباع في الجملة. ومَن قرأ بسكون اللام فجمع ولد، كأسَد، وأُسْد.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : وقال نوحُ الروح، أي : شكت الروح إلى ربها، وقالت : إنَّ النفس وجنودها عَصَوني، واتبعوا حال المنهمكين في الدنيا، الفانين في أموالهم وأولادهم، فلم يزدهم ذلك إلاّ خساراً، ومكروا بي، حيث راموا مني الميل إليهم، مكراً كُبَّاراً، وقالوا : لا تَذَرُنَّ آلهتكم من الدنانير والدراهم، ولا تَذَرُنَّ ود الدنيا ومحبتها، ولا سُواع الهوى والحظوظ، ولا يغوث الرياسة والجاه، ولا يَعوق العلائق والشواغل، ولا طيور الهواجس والخواطر، يعني : لا تستعملوا ما يُخرجكم عن هذه الأشياء، مِن خرق العوائد، والزهد، والورع، بل أقيموا على تنمية دنياكم، وتوفير هواكم، وقد أضلُّوا كثيراً ممن يقتدي بهم. وقالت أيضاً : لا تزد الظالمين من هؤلاء إلاّ ضلالاً ؛ هلاكها وانقطاعاً. مما خطيئاتهم أُغرقوا في بحر الدنيا، فأُدخلوا نار القطيعة، فلم يجدوا لهم من دون الله أنصاراً، وقال نوح الروح أيضاً : لا تَذرْ على أرض البشرية من الكافرين من القواطع التي تقطعني عن السير بظلمتها ديّاراً ممن يدور بها، ويُقوي حسها، إنك إن تذرهم يدورون بها ويقطعونها عن السير، ويُضلوا عبادك عن الوصول إليك، ولا يلدوا منها إلاَّ خاطراً فاجراً كفّاراً. رَبِّ اغفر لي، خطابٌ من الروح ودعاء، ولوالدي من العقل الكلي، والنفس الكلي، وهو الروح الأعظم، ولِمن دخل بيتي، أي : تمسّك بطريقتي، ودخل في زمرتي، ولأرواح المؤمنين والمؤمنات، ولا تزد الظالمين الخارجين عن طريقتي إلاَّ تباراً. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلّم.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير