ﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩ ﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴ ﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿ ﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐ

عطفه على مقدر اى فاخذلهم قالوا وحينئذ من المحكي والمراد بالضلال هو الضيام والهلاك والضلال فى تمشية مكرهم وترويجه مصالح دنياهم لا فى امر دينهم حتى لا يتوجه انه انما بعث ليصرفهم عن الضلال فكيف يليق به أن يدعو الله فى أن يزيد ضلالهم وان هذا الدعاء يتضمن الرضى بكفرهم وذلك لا يجوز فى حق الأنبياء وان كان يمكن أن يجاب بأنه بعد ما اوحى اليه انه لا يؤمن من قومك الا من قد آمن وان المحذور هو الرضى المقرون باستحسان الكفر ونظيره دعاء موسى عليه السلام بقوله واشدد على قلوبهم فمن أحب موت الشرير بالطبع على الكفر حتى ينتقم الله منه فهذا ليس بكفر فيؤول المعنى الى أن يقال ولا يزد الظالمين الا ضلال وغيا ليزدادوا عقابا كقوله تعالى انما نملى لهم ليزدادوا اثما وقوله انى أريد أن تبوء بإثمي واثمك فتكون من اصحاب النار قالوا دعا نوح الأبناء بعد الآباء حتى بلغوا سبعة قرون فلما ايس من ايمانهم دعا عليهم مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ اى من أجل خطيئات قوم نوح وأعمالهم المخالفة للصواب وهى الكفر والمعاصي وما مزيدة بين الجار والمجرور لتأكيد الحصر المستفاد من تقديم قوله مما خطيئاتهم فانه يدل على ان إغراقهم بالطوفان لم يكن الامن أجل خطيئاتهم تكذيبا لقول المنجمين من ان ذلك كان لاقتضاء الأوضاع الفلكية إياه ونحو ذلك فانه كفر لكونه مخالفا لصريح هذه الآية ولزيادة ما الا بهامية فائدة غير التوكيد وهى تفخيم خطيئاتهم اى من أجل خطيئاتهم العظيمة ومن لم ير زيادتها جعلها نكرة وجعل خطيئاتهم بدلا منها والخطيئات جمع خطيئة وقرأ ابو عمرو خطاياهم بلفظ الكثرة لان المقام مقام تكثير خطيئاتهم لانهم كفروا ألف سنة والخطيئات لكونه جمع السلامة لا يطلق على ما فوق العشرة الا بالقرينة والظاهر من كلام الرضى ان كل واحد من جمع السلامة والتكثير لمطلق الجمع من غير نظر الى القلة والكثرة فيصلحان لهما ولذا قيل انهما مشتركان بينهما واستدلوا عليه بقوله تعالى ما نفدت كلمات الله أُغْرِقُوا فى الدنيا بالطوفان لا بسبب آخر وفيه زجر لمرتكب الخطايا مطلقا فَأُدْخِلُوا ناراً تنكير النار اما لتعظيمها وتهويلها او لانه تعالى أعد لهم على حسب خطيئاتهم نوعا من النار والمراد اما عذاب القبر فهو عقيب الإغراق وان كانوا فى الماء فان من مات فى ماء او نار او أكلته السباع او الطير أصابه ما يصيب المقبور من العذاب عن الضحاك انهم كانوا يغرقون من جانب اى بالأبدان ويحرقون من جانب اى بالأرواح فجمعوا بين الماء والنار كما قال الشاعر

الخلق مجتمع طورا ومفترق والحادثات فنون ذات أطوار
لا تعجبن لأضداد إذا اجتمعت فالله يجمع بين الماء والنار
او عذاب جهنم والتعقيب لتنزيله منزلة المتعقب لاغراقهم لاقترابه وتحققه لا محالة واتصال زمانه بزمانه كما دل عليه قوله من مات فقد قامت قيامته على ان النار اما نصف نار وهى للارواح فى البرزخ واما تمام نار وهى للارواح والأجسام جميعا بعد الحشر وقس على الجحيم النعيم فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً اى لم يجد أحد منهم لنفسه واحدا من الأنصار ينصرهم على من أخذهم بالقهر والانتقام وفيه تعريض باتخاذهم آلهة من دون الله وبأنها

صفحة رقم 183

غير قادرة على نصرهم وتهكم بهم ومن دون الله حال متقدمة من قوله أنصارا والجملة الاستئنافية الى هنا من كلام الله اشعارا بدعوة اجابة نوح وتسلية للرسول عليه السلام وأصحابه وتخويفا للعاصى من العذاب وأسبابه وَقالَ نُوحٌ بعد ما قنط من اهتدائهم قنوطاتا ما بالأمارات الغالبة وبأخبار الله تعالى رَبِّ اى پروردگار من لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ لا تترك على الأرض مِنَ الْكافِرِينَ بك وبما جاء من عندك حال متقدمة من قوله دَيَّاراً أحدا يدور فى الأرض فيذهب ويجيئ اى فأهلكهم بالاستئصال والجملة عطف على نظيرها السابق وقوله تعالى مما خطيئاتهم إلخ اعتراض وسط بين دعائه عليه السلام للايذان من أول الأمر بان ما أصابهم من الإغراق والإحراق لم يصبهم الا لاجل خطيئاتهم التي عددها نوح وأشار الى استحقاقهم للاهلاك لاجلها لما انها حكاية لنفس الإغراق والإحراق على طريقة حكاية ما جرى بينه عليه السلام وبينهم من الأحوال والأقوال والا لأخر عن حكاية دعائه هذا وديار من الأسماء المستعملة فى النفي العام يقال ما بالدار ديار أو ديور كقيام وقيوم اى أحد وساكن وهو فيعال من الدور او من الدار أصله ديوار وقد فعل به ما فعل بأصل سيد فمعنى ديار على الاول أحد يدور فى الأرض فيذهب ويجيئ وعلى الثاني أحد ممن ينزل الدار ويسكنها وأنكر بعضهم كونه من الدوران وقال لو كان من الدور ان لم يبق على وجه الأرض جنى ولا شيطان وليس المعنى على ذلك وانما المعنى أهلك كل ساكن دار من الكفار أي كل انسى منهم. يقول الفقير جوابه سهل فان المراد كل من يدور على الأرض من امة الدعوة وليس الجن والشيطان منها إذ لم يكن نوح مبعوثا الى الثقلين وليس ديار فعالا من الدار والا لقيل دوار لان اصل دار دور فقلبت واوه ألفا فلما ضعفت عينه كان دوارا بالواو الصحيحة المشددة إذ لا وجه لقلبها ياء إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ عليها كلا او بعضا ولا تهلكهم بيان لوجه دعائه عليهم واظهار بأنه كان من الغيرة فى الدين لا لغلبة غضب النفس لهواها يُضِلُّوا عِبادَكَ عن طريق الحق قال بعضهم عبادك المؤمنين وفيه اشعار بأن الأهل لان يقال لهم عباد اهل الايمان انتهى وفيه نظر بل المراد يصدوا عبادك عن سبيلك كقوله تعالى وصدوا عن سبيل الله دل عليه انه كان الرجل منهم ينطلق بابنه الى نوح فيقول له احذر هذا فانه كذاب وان ابى حذرنيه وأوصاني بمثل هذه الوصية فيموت الكبير وينشأ الصغير على ذلك وَلا يَلِدُوا ونزايند إِلَّا فاجِراً لفجر شق الشيء شقا واسعا كفجر الإنسان السكر وهو بالكسر اسم لسد النهر وما سد به النهر والفجور شق ستر الديانة كَفَّاراً مبالغا فى الكفر والكفران قال الراغب الكفارا بلغ من الكفور وهو المبالغ فى كفران النعمة والمعنى الا من سيفجر ويكفر فالوجه ارتفاعهم عن وجه الأرض والعلم لك فوصفهم بما يصيرون اليه بعد البلوغ فهو من مجاز الاول وكأنه اعتذار مما عيسى يرد عليه من ان الدعاء بالاستئصال مع احتمال ان يكون من اخلافهم من يؤمن منكر وانما قاله بالوحى لقوله تعالى فى سورة هود واوحى الى نوح انه لن يؤمن من قومك الا من قد آمن فان قلت هذا إذا كان دعاء نوح متأخرا عن وحي تلك الآية وذلك

صفحة رقم 184

غير معلوم قلت الظاهر ان مثل هذا الدعاء انما يكون فى الأواخر بعد ظهور امارات النكال قال بعضهم لا يلد الحية الا الحية وذلك فى الأغلب ومن هناك قيل (إذا طاب اصل المرء طابت فروعه) ونحوه الولد سر أبيه قال بعضهم فى توجيهه ان الولد إذا كبر انما يتعلم من أوصاف أبيه او يسرق من طباغه بل قد يصحب المرء رجلا فيسرق من طباعه فى الخير والشر. يقول الفقير معناه فيه ما فيه اى من الجمال والجلال فقد يكون الجمال الظاهر فى الأب باطنا فى الابن كما كان فى قابيل بن آدم حيث ظهر فيه ما بطن فى أبيه من الجلال وكان الأمر بالعكس فى هابيل بن آدم وهكذا الأمر الى يوم القيامة فى الموافقة والمخالفة وقال بعض الكبار اعتذار نوح يوم القيامة عند طلب الخلق الشفاعة منه بدعوته على قومو انما هو لما فيها من قوله ولا يلدوا الا فاجرا كفارا لا نفس
دعائه عليهم من حيث كونه دعاء انتهى أشار الى ان دعاء نوح كان بالأمارات حيث جربهم قريبا من ألف سنة فلم يظهر منهم الا الكفر والفجور ولو كان بالوحى لما اعتذار كما قال القاشاني مل من دعوة قومه وضجر واستولى عليه الغضب ودعا ربه لتدمير قومه وقهرهم وحكم بظاهر الحال ان المحجوب الذي غلب عليه الكفر لا يلد الا مثله فان النطفة التي تنشأ منها النفس الخبيثة المحجوبة وتتربى بهيئتها المظلمة لا تقبل الا مثلها كالبذر الذي لا ينبت الا من صنفه وسبخه وغفل عن ان الولد سر أبيه اى خاله الغالبة على الباطن فربما كان الكافر باقى الاستعداد صافى الفطرة نقى الأصل بحسب الاستعداد الفطري وقد استولى على ظاهره العادة ودين آبائه وقومه الذين نشأ بينهم فدان بدينهم ظاهرا وقد سلم باطنه فيلد المؤمن على حال النورية كولادة أبى ابراهيم عليه السلام فلا جرم تولد من تلك الهيئة الغضبية الظلمانية التي غلبت على باطنه وحجبته فى تلك الحالة عما قال مادة ابنه كنعان وكان عقوبة لذنب حاله انتهى ويدل على ما ذكر من ان دعاءه أليس مبنيا على الوحى ما ثبت ان النبي عليه السلام شبه رضى الله عنه فى الشدة بنوح وأبا بكر رضى الله عنه فى اللبن بإبراهيم قال بعض العارفين فى قوله تعالى وما أرسلناك الا رحمة للعالمين فى هذه الآية عتاب لطيف فانها نزلت حين مكث يدعو على قوم شهرا مع ان سبب ذلك الدعاء انما هو الغيرة على جناب الله تعالى وما يستحقه من الطاعة ومعنى العتاب انى ما أرسلتك سبايا ولا لعانا وانما بعثتك رحمة اى لترحم مثل هؤلاء الذين دعوت عليهم كأنه يقول لو كان بدل دعائك عليهم الدعاء لهم لكان خيرا فانك إذا دعوتنى لهم ربما أجبت دعاءك فوفقتهم لطاعتى فترى سرور عينك وقرتها فى طاعتهم لى وإذا لعنتهم ودعوت عليهم وأجبت دعاءك فيهم لم يكن من كرمى ان آخذهم الا بزيادة طغيانهم وكثرة فسادهم فى الأرض وكل ذلك انما كان بدعائك عليهم فكأنك امرتهم بالزيادة فى الطغيان الذي أخذناهم به فتنبه رسول الله عليه السلام لما أدبه به ربه فقال ان الله أدبني فأحسن تأديبى ثم صار يقول بعد ذلك اللهم اغفر لقومى فانهم لا يعلمون وقام ليلة كاملة الى الصباح بقوله تعالى ان تعذبهم فانهم عبادك وان تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم لا يزيد عليها فأين هذا من دعائه قبل ذلك على رعل وذكوان وعصية وعلى صناديد قريش اللهم عليك بفلان

صفحة رقم 185

روح البيان

عرض الكتاب
المؤلف

إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء

الناشر دار الفكر - بيروت
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية