ثم لما دعا على الكافرين أتبعه بالدعاء لنفسه ووالديه والمؤمنين، فقال : رَّبّ اغفر لِي ولوالديَّ وكانا مؤمنين، وأبوه لامك بن متوشلخ، كما تقدّم، وأمه سمحاء بنت أنوش، وقيل : أراد آدم وحواء. وقال سعيد بن جبير : أراد بوالديه أباه وجدّه. وقرأ سعيد بن جبير :«وَلِوَالِدِيَّ » بكسر الدال على الإِفراد. وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ قال الضحاك والكلبي : يعني مسجده، وقيل : منزله الذي هو ساكن فيه، وقيل : سفينته. وقيل : لمن دخل في دينه، وانتصاب مُؤْمِناً على الحال : أي لمن دخل بيتي متصفاً بصفة الإيمان، فيخرج من دخله غير متصف بهذه الصفة كامرأته وولده الذي قال : سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُني مِنَ الماء [ هود : ٤٣ ] ثم عمم الدعوة، فقال : وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات أي واغفر لكل متصف بالإيمان من الذكور والإناث. ثم عاد إلى الدعاء على الكافرين، فقال : وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ تَبَاراً أي لا تزد المتصفين بالظلم إلاّ هلاكاً وخسراناً ودماراً وقد شمل دعاؤه هذا كل ظالم إلى يوم القيامة، كما شمل دعاؤه للمؤمنين والمؤمنات كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة.
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله : وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً قال : هذه الأصنام كانت تعبد في زمن نوح. وأخرج البخاري وابن المنذر وابن مردويه عنه قال : صارت الأوثان التي كانت تعبد في قوم نوح في العرب : أما ودّ فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجلسهم الذي كانوا يجلسون فيه أنصاباً، وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد حتى هلك أولئك ونسخ العلم فعبدت.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني