ﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾ

قوله : وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ . قد تقدم أن السبعة أجمعت على الفتح، بتقدير : وأوحي إليَّ أن المساجد للَّهِ.
وقال الخليل : أي ولأن المساجد، فحذف الجارُّ، ويتعلق بقوله «فلا تدعُوا ».
وجعلوه كقوله تعالى : لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ [ قريش : ١ ] فإنه متعلق بقوله فَلْيَعْبُدُواْ كقوله : إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ [ الأنبياء : ٩٢ ].
وقرأ طلحة١ وابن هرمز :«وإنَّ المسَاجِدَ » - بالكسر. . ، وهو يحتمل الاستئناف والتعليل، فيكون في المعنى كتقدير الخليل

فصل في المراد ب «المساجد »


المساجدُ : قيل هي جمع «مسجد » - بالكسر - وهو موضع السجود، وقد تقدم أن قياسه الفتح.
وقيل : هو «مسجد » - بالفتح - مراداً بها الأعضاء الواردة في الحديثِ :«الجبهة والأنف والركبتان واليدان والقدمان »، وهو قول سعيد بن المسيب.
والمعنى : إن هذه الأعضاء أنعم الله بها عليكم فلا تسجد لغيره فتجحد نعمة الله، وقال عطاء : مساجدك أعضاؤك التي أمرت بالسجود عليها لا تذللها لغير خالقها.
قال - عليه الصلاة والسلام - «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم » وذكر الحديث، وقال عليه الصلاة والسلام :«إذَا سَجَدَ العَبْدُ سَجَدَ مَعهُ سَبعةُ أعْضَاءٍ »٢ وقيل : بل جمع مسجد، وهو مصدر بمعنى السجودِ، ويكون الجمع لاختلاف الأنواع.
وقال القرطبي٣ :«المراد بها البيوت التي تبنيها أهل المللِ للعبادة ».
قال سعيد بن جبير رضي الله عنه : قالت الجن : كيف لنا أن نأتي المساجد ونشهد معك الصلاة ونحن ناؤون عنك ؟ فنزلت : وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ ، أي : بنيت لذكر الله ولطاعته٤.
وقال ابن عبَّاسٍ : المساجد هنا مكة التي هي القبلة، وسميت مكة مساجد، لأن كلَّ أحد يسجد إليها٥.
قال القرطبيُّ٦ :«والقول بأنها البيوت المبنية للعبادة، وهذا أظهر الأقوال، وهو مروي عن ابن عباس ».
قال ابن الخطيب٧ :«قال الواحديُّ : وواحد المساجد - على الأقوال كلِّها – " مسجد " - بفتح الجيم - إلا على قول من يقول : إنها المواضع التي بنيت للصلاةِ، فإنَّ واحدها " مسجد " - بكسر الجيم - لأن المواضع، والمصادر كلَّها من هذا الباب - بفتح العين - إلا في أحرف معدودة وهي : المسجد، والمطلِع، والمنسِك، والمسكِن، والمنبِت، والمفرِق، والمسقِط، والمجزِر، والمحشِر، والمشرِق، والمغرِب وقد جاء في بعضها الفتح، وهي : المنسك والمطلع والمسكن والمفرق، وهو جائز في كلِّها وإن لم يسمع ».
قوله :«للَّهِ ». إضافة تشريف وتكريم، ثم خص بالذِّكر منها البيت العتيق، فقال تعالى : وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ [ الحج : ٢٦ ] وقال - عليه الصلاة والسلام - :«لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلاَّ إلى ثلاثةِ مساجدَ »٨
وقال - عليه الصلاة والسلام - :«صَلاةٌ فِي مَسْجدِي هذا خَيْرٌ مِنْ ألْفِ صلاةٍ فيما سواهُ إلاَّ المَسجد الحَرامَ »٩
وقد روي من طريق آخر لا بأس بها «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" صَلاةٌ في مَسْجدِي هذا خَيْرٌ من ألفِ صلاةٍ فِيمَا سِواهُ إلاَّ فِي المسْجِد الحَرامِ، فإنَّ صلاةٌ فِيهِ خَيْرٌ مِنْ مائةِ ألفِ صلاةٍ في مَسْجديْ هَذَا " ١٠.
قال القرطبي١١ :" وهذا حديث صحيح ".

فصل في نسبة المساجد إلى غير الله


فإن قيل : المساجد وإن كانت لله ملكاً وتشريفاً فإنَّها قد تنسب إلى غيره تعالى تعريفاً كما قيل في الحديث :«سابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق ».
ويقال : مسجد فلان، لأنه حبسه، ولا خلاف بين الأمة في تحبيس المساجدِ والقناطرِ والمقابرِ، وإن اختلفوا في تحبيس غير ذلك.

فصل في معنى الآية


معنى : وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ لا يذكرُ فيها إلا اللَّهُ تعالى فإنَّه يجوز قسمةُ الأموالِ فيها، ويجوز وضعُ الصدقات فيها، على رسم الاشتراك بين المساكين، والأكل فيها، ويجوز حبسُ الغريمِ فيها والنوم، وسكن المريضِ فيه، وفتح الباب للجار إليها وإنشاد الشعر فيه إذا عري عن الباطل.
قوله : فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَداً . وهذا توبيخٌ للمشركين، في دعواهم مع الله غيره في المسجد الحرام.
وقال مجاهد : كانت اليهودُ، والنصارى إذا دخلوا كنائسهم، وبيعهم أشركوا بالله تعالى، فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن يخلصوا لله الدعوة الحق إذا دخلوا المساجد كلها، فلا تشركوا فيها صنماً وغيره مما يعبد١٢.
وقيل : المعنى أفردوا المساجدَ لذكر الله، ولا تجعلوا لغير الله فيها نصيباً، وفي الحديث :«مَنْ نَشدَ ضالَّةً في المسجد فقولوا : لا ردَّها اللَّه عليكَ، فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا ».
وقال الحسن : من السنة إذا دخل رجل المسجد أن يقول : لا إله إلا الله، لأن قوله تعالى فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَداً في ضمنه أمر بذكر الله ودعائه.
وروى الضحاك عن ابن عباس - رضي الله عنه - «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل المسجد قدَّم رجله اليمنى وقال :" وأنَّ المسَاجِدَ لِلَّهِ فلا تَدْعُوا مع اللَّهِ أحداً، اللَّهُمَّ إني عبدُكَ وزائِرُكَ وعلى كُلِّ مزُورٍ حقٌّ لزائره، وأنْتَ خَيْرُ مزُورٍ، فأسْألُكَ بِرحْمتكَ أنْ تَفُكَّ رقَبَتِي من النَّارِ " فإذا خرج من المسجد قدم رجله اليسرى وقال :" اللَّهُمْ صُبَّ عليَّ الخَيْرَ صباً ولا تَنزِعْ عنِّي صالحَ ما أعْطَيْتنِي أبداً، ولا تَجْعَلْ معِيْشتِي كدّاً، واجعل لِي في الأرضِ جداً " ١٣.
١ ينظر: البحر المحيط ٨/٣٤٥، والدر المصون ٦/٣٩٦..
٢ أخرجه البخاري (٢/٢٩٧) كتاب الأذان، باب: السجود على الأنف حديث (٨١٢) ومسلم (١/٣٥٤) كتاب الصلاة، باب: أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر (٢٣٠/٤٩٠) من حديث ابن عباس..
٣ ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٩/١٤..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٢٧١) عن سعيد بن جبير وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٣٦)..
٥ ذكره الماوردي في "تفسيره" (٦/١١٩) والقرطبي (١٩/١٥)..
٦ الجامع لأحكام القرآن ١٩/١٤..
٧ ينظر الرازي ٣٠/١٤٤..
٨ تقدم..
٩ أخرجه البخاري ٣/٦٣ كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة: (١١٩٠) ومسلم (٢/١٠١٢) كتاب الحج باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة (٥٠٥/١٣٩٤) ومالك في الموطأ ١/١٩٦ في كتاب القبلة، باب: ما جاء في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم..
١٠ هذا الحديث ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٩/١٥) وقال: لو صح ولم يصححه كما قال المؤلف عقب الحديث..
١١ الجامع لأحكام القرآن ١٩/١٥..
١٢ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٩/١٥) عن مجاهد..
١٣ ذكره الماوردي في "تفسيره" (٦/١٢٠) والقرطبي (١٩/١٥)..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية