المعنى الجملي : اعلم أن الله سبحانه سمّى سور كتابه بأسماء تبعث على النظر والاعتبار وتوجب التفكير، فسمّى بالأنعام وبالحشرات كالنمل والنحل والعنكبوت وبما هو ألطف من ذلك كالنور، كما سمّى ببعض الأنبياء، كيوسف ويونس وهود، وببعض الأخلاق كالتوبة، وببعض الكواكب العلوية كالشمس والقمر والنجم، وببعض الأوقات كالليل والفجر والضحى، وببعض المعادن كالحديد، وببعض الأماكن كالبلد، وببعض النبات كالتين وكل ذلك مما نراه.
وهنا سمّى هذه السورة بعالم لا نراه وهو عالم الجن، وهو عالم لم يعرف في الإسلام إلا من طريق الوحي، وليس للعقل دليل عليه ؛ ولقد أصبحت هذه العوالم المستترة عنا الشغل الشاغل اليوم للعلماء والباحثين، فصار علماء أوروبا يدرسون عالم الملائكة وعالم الجن وعالم الأرواح، ويطلعون على غوامض هذه العوالم، فتحدث الناس مع أرواح أصحابهم الذين ماتوا، واتصل العالم الإنسي بالعالم الجني، وبعالم الأرواح الطاهرة وهم الملائكة ؛ وقد خطب السير أوليفر لوذج من أشهر علماء الطبيعة في هذا العصر، في بلاد الإنكليز في مجمع من كبار العلماء قال : إنه حادث الأموات، وإن هناك عقولا أسمى من عقولنا في عالم الأرواح، وإنهم يهتمون بنا، وإن إخواني من رجال الجماعة الروحية الذين ماتوا- كلمتهم بعد موتهم، وبرهنوا بأدلة قاطعة أنهم هم الذين يكلمونني، وقال : إن كل ما يقوله الأنبياء عن عالم الأرواح وعن الله فهو حق بلا تأويل.
وجاء في كتاب ( إخوان الصفا ) إن أرواح الأحياء بعد الموت هم الموسوسون إن كانوا أشرارا، وهم الملهمون الناس الخير إن كانوا أخيارا.
وقال شير محمد الهندي في كتابه في المجلس السابع : لقد جمعت بين ما جاء به الدين الإسلامي والكشف الحديث كقولهم : إن كل علم وكل خير وشر حاصل في الأفئدة منشؤه الأرواح الفاضلة والأرواح الناقصة، وهو بعينه ما جاء في الحديث :( في القلب لمتان لمة من الملك ولمة من الشيطان ) وهذا مصداق لقوله تعالى : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم [ فصلت : ٥٣ ]. والعجب أن الفرنجة يكشفون هذا ولا يعلمون أنه مصداق دين الإسلام اهـ.
واعلم أن ما جاء في هذه السورة من السمعيات التي لا دليل عليها من العقل قد بقي في الإسلام حوالي أربعة عشر قرنا تتلقاه الأمة بالقبول جيلا بعد جيل دون بحث عن حقائقه حتى عني علماء أوروبا في العصر الحديث بالبحث عنه، فظهر لهم أن الأرواح الناقصة تسمع كلام الناس وتهتدي به، وأنها لا تعرف ما فوق طاقتها، فلا تهتدي بهدي الأرواح العالية ؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم مثلا قد ارتقى في العلم إلى حد لا يمكن الأرواح الناقصة أن تتعلم منه ؛ فما أشبه حالهم بحال الجهال الذين يسمعون من أبنائهم المتعلمين العلم ولا يفهمونه، وما مثل حال الأرواح الناقصة بعد الموت إلا مثل حال المشاهدة في الدنيا، فإنا نرى الجهال لا يجلسون في مجالس العلم إلا قليلا حين يتنزل العلماء لإصلاح حالهم، ولا يظهر لهم إلا القليل من ثمرات العلم، فهم في الحياة الدنيا ممنوعون من السمع، وقد يشتد المنع إذا كان في السماع مفسدة كمعرفة الأسرار الحربية، والخطط السياسية التي ينبغي أن تبقى سرا مكتوما بين الدول، وهذا المنع الذي نشاهده أشبه بالمنع من استراق السمع، لأنه إنما كان لحفظ الدرجات، وهي المعارج لأربابها.
شرح المفردات : النفر : ما بين الثلاثة والعشرة، والجن : واحدهم جني كروم ورومي، عجبا : أي عجيبا بديعا مباينا لكلام الناس في حسن النظم ودقة المعنى.
الإيضاح : قل أوحي إليّ أنه استمع نفر من الجن أمر الله رسوله أن يظهر لأصحابه ما أوحى به إليه من قصص الجن، لما في علمه من فوائد ومنافع للناس، منها :
( ١ ) أن يعلموا أنه كما بعث عليه الصلاة والسلام إلى الإنس فقد بعث إلى الجن.
( ٢ ) أن يعلموا أن الجن يستمعون كلامنا ويفهمون لغاتنا.
( ٣ ) أن يعلموا أن الجن مكلفون كالإنس.
( ٤ ) أن يعلموا أن المؤمن منهم يدعو غيره من قبيلته إلى الإيمان.
( ٥ ) أن تعلم قريش أن الجن على تمردها لمّا استمعت القرآن عرفت إعجازه وآمنت به.
وظاهر الآية يدل على أنه عليه الصلاة والسلام عليم استماعهم له بالوحي لا بالمشاهدة وفي الصحيحين من حديث ابن عباس، ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم، وإنما انطلق بطائفة من الصحابة لسوق عكاظ، وقد حيل بين الجن والسماء بالشهب، فقالوا : ما ذاك إلا لشيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فمرّ من ذهب منهم إلى تهامة بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي الفجر بأصحابه بنخلة، فلما استمعوا له قالوا : هذا الذي حال بيننا وبين السماء، ورجعوا إلى قومهم وقالوا يا قومنا الخ، فأنزل الله عليه : قل أوحي إليّ الآيات، وقد كان ذلك قبل الهجرة بثلاث سنين.
وقد حكى الله عن الجن أشياء :
فقالوا إنا سمعنا قرءانا عجبا* يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا |أي قالوا لقومهم حين رجعوا إليهم كما جاء في قولهم : فلمّا قضي ولّوا إلى قومهم منذرين [ الأحقاف : ٢٩ ] إنا سمعنا كتابا بديعا يهدي إلى الحق وإلى الطريق المستقيم، فصدقنا به، ولن نعود إلى ما كنا عليه من الإشراك بالله.
تفسير المراغي
المراغي