ﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨ

وقال مقاتل: قُرْآنًا عَجَبًا يعني عزيزًا لا يُوجد مثله (١).
والمحعنى: قرآنًا ذا عجيب، يعجب منه لبلاغته وعدم مثله، ثم وصفوا ذلك القرآن، وهو قوله:
٢ - يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ.
قال عطاء: إلى الإيمان بالله (٢)، وقال الكلبي: يدعو إلى الصواب من الأمن من لا إله إلا الله (٣)، وقال (٤) مقاتل: يدعو إلى التوحيد (٥).
وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا قال الكلبي: بطاعة ربنا أحدًا، يعنون إبليس، وذلك أنه بعثهم ليعرف سبب حراسة السماء بالنجوم، فخرجوا يضربون في الأرض، فمروا (٦) برسول الله -صلى الله عليه وسلم- (٧)، وهو يقرأ القرآن، فاستمعوا إليه، وآمنوا، ولم يرجعوا إلى إبليس (٨).
قوله تعالى: وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا قرئ: (وأنه)، وكذلك ما بعده

= فدفعوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو يصلي، فاستمعوا لقرآنه.
وقال آخر ون: بل أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن ينذر الجَنَّة، ويدعوهم إلى الله، ويقرأ عليهم القرآن، فصرف إليه نفر من الجن ليستمعوا منه، وينذروا قومهم".
(١) "تفسير مقاتل" ٢١١/ ب، وورد بمثله في "بحر العلوم" ٣/ ٤١٠ من غير عزو.
(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٤) في (أ): قال.
(٥) الذي ورد في "تفسيره" ٢١١/ ب: "قال: يدعو إلى الهدى"، وقد ورد بنحوه من غير عزو في: "بحر العلوم" ٣/ ٤١٠.
(٦) غير واضحة في: (ع).
(٧) ساقطة من: (أ).
(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.

صفحة رقم 281

بالكسر، والفتح (١)، والاختيار الكسر؛ لأنه من قول الجن لقومهم، فهو معطوف على قوله: فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا، وقالوا: وَأَنَّهُ تَعَالَى (٢) جَدُّ رَبِّنَا، وأما من فتح، فقال الفراء: أما الذين فتحوا فإنهم ردوا (أن) في كل السورة على قوله: (فآمنا به)، وآمنا بكل ذلك، ففتحوا (أن) بوقوع (٣) الإيمان عليها، وأنت مع ذلك تجد الإيمان (٤) يحسن في بعض ما فتح، ويقبح في بعض، ولا (٥) يمنعك ذلك من إمضائهنَّ على الفتح، فإن الذي يقبح من ظهور الإيمان قد يحسن فيه فعل مضارعٌ للإيمان (٦) يوجب فتح (أن) نحو: (صدقنا)، و (شهدنا) (٧).

(١) قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص بفتح الهمزة فيهن، ووافقهم أبو جعفر في ثلاث: وَأَنَّهُ تَعَالَى، وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ، وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ. وقرأ الباقون بكسرها في الجميع، واتفقوا على فتح أَنَّهُ اسْتَمَعَ، وَأَنً اَلْمَسَجِدَ. قال ابن الجزري: (لأنه لا يصح أن يكون من قولهم، بل هو مما أوحي إليه -صلى الله عليه وسلم-، بخلاف الباقي، فإنه يصح أن يكون من قولهم، ومما أوحي، والله أعلم). "النشر في القراءات العشر" ٢/ ٩١ - ٣٩٢.
وانظر مراجع قراءة الفتح والكسر: كتاب "السبعة" ٦٥٦، و"القراءات وعلل النحويين فيها" ٢/ ٧١٩، و"الحجة" ٦/ ٣٣، و"المبسوط" ٣٨٣، و"حجة القراءات" ٧٢٧، و"الكشف عن وجوه القراءات السبع" ٢/ ٣٢٩.
(٢) في (أ): على.
(٣) وردت في "معاني الفراء" لوقوع.
(٤) في (أ): الإنسان.
(٥) في (ع): فلا.
(٦) في (أ): الإيمان.
(٧) إلى هنا انتهى قول الفراء في "معاني القرآن" ٣/ ٣٩١ - ٣٩٢، وقد نقله عنه الإمام الواحدي بتصرف.

صفحة رقم 282

وقال أبو إسحاق: من حمل (١): وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا على قوله: فَآمَنَّا بِهِ يقول: فآمنا به، وبأنه تعالى جد ربنا، وكذلك ما بعدَه، وهو ردئ في القياس، لا يُعطف على (الهاء) المخفوض إلا بإظهار الخافض، ولكن وجهه أن يُحمل على معنى: (آمنا به)، لا على لفظ: (آمنا به)، ومعنى (٢) آمنا به: صدقناهُ، وعلمناه، ويكون المعنى: وصدقنا أنه تعالى جد ربنا (٣).
وقال أبو علي: من قرأ بالفتح، فإنه على العمل على (أوحي) (٤)، وهذا ضعيف جدًّا (٥)؛ لأن المعنى على الإخبار على الجن (٦) أنهم قالوا: "وأنه تعالى جد ربنا"، "وأنه كان يقول"، وليس المعنى على أوحي إلى "أنه تعالى جد ربنا"، "وأنه كان يقول سفيهنا"، إلا أن بعض ما فتح من "أن" في هذه السورة يحسن حملها على "أوحي" (٧)، ونذكر ذلك في

(١) في (أ): جعل.
(٢) في: (أ): معنا.
(٣) إلى هنا انتهى قول الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٣٤، وقد نقله عنه بتصرف.
(٤) "الحجة" ٦/ ٣٣٢.
(٥) لأنه ينقص المعنى ويغيره. إذا حملت سائر الآيات في الثلاثة عشر موضعًا من هذه السورة، والتي من قول: وَأَنَّهُ تَعَالَى إلى قوله: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ على ما قبلها من قوله: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ، وذلك لأنه لا يحسن أن يقال: وأوحي إلى أنه لما قام عبد الله، ولا يحسن وأوحي إلى أنه كان يقول سفيهنا على الله شططًا. قاله مكي بن أبي طالب في الكشف: ٢/ ٣٤١.
(٦) في: (أ): الحق.
(٧) قال مكي: وحجة من فتح الثلاثة عشر أنه عطف على "قل أوحي إلى أنه"، فلما عطف على ما عمل فيه الفعل فتحه كله. الكشف: مرجع سابق.

صفحة رقم 283

موضعه (١)، ولكن ليس يطرد حمل فتح ما اختلف فيه على الوحي (٢) (٣).
واختلفوا في معنى قوله: "جد ربنا": فالأكثرون على أن المعنى: جلال ربنا وعظمته، وهو قول مجاهد (٤)، ومقاتل (٥)، (وعكرمة (٦)، وقتادة (٧)، والمبرد (٨)، والزجاج (٩)) (١٠)، وجميع أصحاب العربية (١١).
والجد معناه في اللغة: العظمة، يقال: جد فلان، أي: عظم (١٢)، ومنه الحديث: "كان الرجل إذا قرأ سورة البقرة جد فينا (١٣)، أي: جل قدره

(١) عند الآية: (٦) من هذه السورة.
(٢) لأن المعنى في فتح "أن" على العطف على "الهاء" أتم وأبين منه إذا عطفت على "أوحي إلى أنه". مرجع سابق.
(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٤) "جامع البيان" ٢٩/ ١٥٤، و"الكشف والبيان" جـ: ١٢: ١٩٢/ ب، و"معالم التنزيل" ٤/ ٤٠١، و"زاد المسير" ٨/ ١٠٥، و"الجامع" ٨/ ١٩، و"تفسير ابن كثير" ٤/ ٤٥٧.
(٥) "تفسير مقاتل" ٢١١/ ب، بنحوه، و"زاد المسير" ٨/ ١٠٥.
(٦) "جامع البيان" ٢٩/ ١٠٤، و"الكشف والبيان" جـ: ١٢: ١٩٢/ ب، و"معالم التنزيل" ٤/ ٤٠١، و"زاد المسير" ٨/ ١٠٥، و"الجامع لأحكام القرآن" ٨/ ١٩، و"تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٤٥٧.
(٧) "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة: ٤٨٩، و"النكت والعيون" ٦/ ١١٠، و"معالم التنزيل" ٤/ ٤٠١، و"الجامع" للقرطبي ١٩/ ٨، و"تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٤٥٧.
(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٩) "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٣٤.
(١٠) ما بين القوسين ساقط من: (أ).
(١١) حكاه الفراء عن مجاهد. انظر: "معاني القرآن" ٣/ ١٩٢.
(١٢) انظر: مادة: (جد) في معجم "مقاييس اللغة" ١/ ٤٠٦، و"تهذيب اللغة" ١٠/ ٤٥٥، و"الصحاح" ٢/ ٤٥٢، و"إصلاح المنطق" ٢.
(١٣) أخرجه الإمام أحمد ٣/ ١٢٠ - ١٢١، من طريق أنس -رضي الله عنه- مطولاً، ونص الشاهد: (وكان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا، يعني عظم).

صفحة رقم 284

وعظم" (١).
وقال الحسن "جد ربنا" أغناه (٢)، والجد يكون بمعنى الغنى، ومنه الحديث: "لا ينفع ذا الجد منك الجد" (٣)، وكذلك الحديث الآخر: "قمت

(١) ما بين القوسين ساقط من: (أ).
(٢) "الكشف والبيان" ج ١٢: ١٩٢/ ب، و"معالم التنزيل" ٤/ ٤٠٠، و"زاد المسير" ٨/ ١٠٥، و"القرطبي" ٨/ ١٩، و"الدر المنثور" ٨/ ٢٩٨ وعزاه إلى عبد بن حميد.
(٣) أخرجه البخاري ١/ ٢٧١ ح ٨٤٤، كتاب الأذان، باب الذكر بعد الصلاة، وكتاب القدر: باب لا مانع لما أعطى الله: ٤/ ٢١٢: ح ٦٦١٥، وكتاب الاعتصام: باب ما يكره من كثرة السؤال: ٤/ ٣٦٢، ح ٧٢٩٢، ومسلم ١/ ٣٤٣: ح ١٩٤: كتاب الصلاة: باب اعتدال أركان الصلاة، وباب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع: ح ٢٠٥ - ٢٠٦، كتاب المساجد: باب استحباب الذكر بعد الصلاة (ح) ١٣٧ - ١٣٨، وأبو داود ١/ ٣٧٧ - ٣٧٨: كتاب الصلاة: باب ما يقول الرجل إذا سلم من الصلاة.
ومالك في "الموطأ" ٧/ ٦٨٧ كتاب القدر: باب ما جاء في أهل القدر، والدارمي في "سننه" ٧١ - ٨٨، والترمذي ٢/ ٩٧: ح ٢٩٩: كتاب الصلاة: باب ما يقول إذا سلم من الصلاة، والنسائي ٢/ ٥٤٤ - ٥٤٥: ح ١٠٦٧، كتاب التطبيق، باب ما يقول في قيامه ذلك، وكتاب السهو: باب نوع آخر من القول عند إنقضاء الصلاة: ٣/ ٧٩ - ٨٠: ح ١٣٤٠ - ١٣٤١، وباب نوع آخر من الدعاء عند الانصراف من الصلاة: ٣/ ٨٢: ح ١٣٤٥، والإمام أحمد في "المسند" ٣/ ٨٧، و٤/ ٩٣، و٩٧، و١٠١، و٢٤٥، و٢٤٧، ٢٥٠، و٢٥٤، و٢٨٥.
قال النووي: (والصحيح المشهور: الجد -بالفتح- وهو الحظ، والغنى، والعظمة، والسلطان، أي لا ينفع ذا الحظ في الدنيا بالمال والولد والعظمة والسلطان منك حظه، أي لا ينجيه حظه منك، وإنما ينفعه وينجيه العمل الصالح، كقوله تعالى: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ [الكهف: ٤٦]، والله تعالى أعلم. "شرح صحيح مسلم" ٤/ ٤٤١، وانظر قوله في: "عون المعبود، شرح سنن أبي داود" للآبادي: ٤/ ٣٧٢.

صفحة رقم 285

على باب الجنة فإذا عامة من يدخلها الفقراء، وإذا أصحاب الجد (١) محبوسون" (يعني) (٢) ذوي الحظ (٣) في الدنيا (٤) (٥).
والمعنى: وجميع ما ذكر من الأقوال يعود إلى معنى: القولين اللذين ذكرنا. (روي عن قتادة: تعالى أمره) (٦) (٧).
قال أبو (٨) عبيدة: ملكه وسُلطانه (٩).
وعن القرظي: آلاؤه ونعمه (١٠).

(١) في: (أ): الجنة.
(٢) ساقطة من: (أ).
(٣) في: (أ): الخطة.
(٤) الحديث أخرجه البخاري في "الجامع الصحيح" ٣/ ٣٨٨ ح ٥١٩٦، من طريق أبي عثمان عن أسامة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "قمت على باب الجنة، فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجَدِّ محبوسون، غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار، فهذا عامة من دخلها النساء".
(٥) ما بين القوسين تناول المعنى اللغوي لـ: "الجد" انظر مادة: (جد) في: معجم "مقاييس اللغة" ١/ ٤٠٦، و"تهذيب اللغة" ١٠/ ٤٥٥، و"الصحاح" ٢/ ٤٥٢، و"لسان العرب" ٣/ ١٠٨، وانظر: "إصلاح المنطق" ٢٢.
(٦) "تفسير عبد الرزاق" ٢/ ٣٢١، وعبارته: "تعالى أمر ربنا، تعالت عظمته"، و"جامع البيان" ٢٩/ ١٠٤، و"النكت والعيون" ٦/ ١١٠، و"تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٤٥٧، و"الدر" ٨/ ٢٩٨ وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وفي جميعها بنحو ما ورد في "تفسير عبد الرزاق".
(٧) ما بين القوسين ساقط من: (أ).
(٨) في (أ): أبوا.
(٩) "مجاز القرآن" ٢/ ٢٧٢، نقله عنه بتصرف، وعبارته: "علا ملكُ ربِّنا وسلطانه".
(١٠) "الكشف والبيان" ١٢/ ١٩٢/ ب، و"معالم التنزيل" ٤/ ٤٠١، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ٨، و"فتح القدير" ٥/ ٣٠٤.

صفحة رقم 286

وعن مجاهد: ذكره (١).
وكل هذا معناه يعود إلى جلاله، وعظمته، وغناه، وقول من قال: إن الجن قالت (هذه) (٢) بالجهالة (٣) لا يصح (٤)؛ لأنهم لو قالوه بالجهل لأنكر عليهم (ولَمَا) (٥) أخبر الله بذلك عنهم في القرآن.
فأما ما روي عن ابن عباس أنه قال: لو علمت الجن أن في الإنس جدًّا (٦) ما قالت: "تعالى جد ربنا" (٧)، فهذا محمول على أن هذا اللفظ مُوهم، وكان (٨) الأولى بهم أن يجتنبوا إطلاقه في وصف الله، وإن (كان) (٩) بمعنى جائز في وصفه.

(١) "جامع البيان" ٢٩/ ١٠٥، و"الكشف والبيان" ١٢/ ١٩٢/ ب، و"المحرر الوجيز" ٥/ ٣٧٩، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ٨، و"تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٤٥٧، و"الدر المنثور" ٨/ ٢٩٨، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
(٢) ساقطة من (أ).
(٣) في (أ): بجهالة.
(٤) وممن قال بهذا القول: علي بن الحسين؛ أبو جعفر الباقر، وابنه جعفر، والربيع بن أنس. انظر: "جامع البيان" ٢٩/ ١٠٤، "الكشف والبيان" ١٢/ ١٩٢/ ب، و"المحرر الوجيز" ٥/ ٣٧٩، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ٨ وقد وصف الكرمانى هذا القول بأنه عجيب وضعيف وبعيد. انظر: "غرائب التفسير وعجائب التأويل" ٢/ ١٢٦٠، وقال ابن عطية ٥/ ٣٧٩: قال كثير من المفسرين: هذا قول ضعيف.
(٥) ساقطة من (أ).
(٦) في (أ): أحدًا.
(٧) "الكشف والبيان" ١٢/ ١٩٢/ ب، و"غرائب التفسير"، وقد وصفه بما وصف سابقه من القول بالجهالة، و"تفسير ابن كثير" ٤/ ٤٥٧، وقال ابن كثير: "إسناد جيد لكن لست أفهم ما معنى هذا الكلام، ولعله قد سقط شيء، والله أعلم".
(٨) في (ع): فكان.
(٩) ساقطة من: (أ).

صفحة رقم 287

وقال أبو إسحاق: تعالى جد ربنا وعظمته (١) عن أن يتخذ صاحبة وولدًا (٢) (٣)، وهو قوله وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا قال ابن عباس: يريد المشركين من الجن (٤)، وهو قول مقاتل: يعني كفارهم (٥).
وقال مجاهد (٦)، (وقتادة) (٧) (٨): هو إبليس.
وقوله تعالى: عَلَى اللهِ شَطَطًا أي كذبًا، وجورًا، وهو و (٩) صفه

(١) في (أ): وعظمت.
(٢) وردت في (ع): وولدًا وصاحبة.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٤٣ بنصه.
(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٥) "زاد المسير" ٨/ ١٠٥، ومعنى السفه في اللغة: الخفة، انظر: معجم "مقاييس اللغة" ٣/ ٧٩، و"تهذيب اللغة" ٦/ ١٣١.
وقال الراغب: السفه: خِفة في البدن، ومنه قيل: زمام سفيه: كثير الاضطراب، وثوب سفيه: رديء النسيج، واستعمل في خفة النفس لنقصان العقل، وفي الأمور الدنيوية، والأخروية، فقيل: سَفِه نفسه، وأصله: سفه نفسه، فصرف عنه الفعل نحو: بطر معيشته، وقال في الأخروي: وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللهِ شَطَطًا (٤) فهذا من السفه في الدين". "المفردات" ٢٣٤ - ٢٣٥.
(٦) "جامع البيان" ٢٩/ ١٠٧، و"الكشف والبيان" ١٢/ ١٩٢/ ب، و"النكت والعيون" ٦/ ١١٠، و"الجامع" للقرطبي ٩/ ١٩، و"تفسير ابن كثير" ٤/ ٤٥٧، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ٨/ ٢٩٨ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وانظر: "فتح القدير" ٥/ ٣٠٤.
(٧) المراجع السابقة، ورواه صاحب "الدر" بمعناه عنه وعزاه إلى عبد بن حميد.
(٨) ساقطة من: (أ).
(٩) الواو ساقطة من النسختين، وأثبتها لاستقامة المعنى، وهكذا وردت أيضًا في "الوسيط" ٤/ ٣٦٣، و"زاد المسير" ٨/ ١٠٥.

صفحة رقم 288

بالشريك، والصاحبة، والولد. قاله المفسرون (١). وتفسير "الشطط" قد تقدم عند قوله: لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (٢) [الكهف: ١٤].
قوله تعالى: وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِبًا (٥) (٣): أن الإنس والجن كانوا لا يكذبون على الله بأن له شريكًا وصاحبة وولدًا، أي كنا نظنهم صادقين حتى سمعنا القرآن. هذا قول المفسرين (٤).

(١) ممن قال بمعنى ذلك: ابن قتيبة، قال: أي غلوًّا في الكذب والجور. "تأويل مشكل القرآن" ٤٢٧، وعن ابن زيد قال: ظلمًا. "جامع البيان" ٢٩/ ١٠٧.
وعن الكلبي: كذبًا، وعن أبي مالك: جورًا. انظر: "النكت والعيون" ٦/ ١١٠. وممن قال من المفسرين أيضًا بذلك: البغوي، وابن الجوزي، والخازن، وابن كثير. انظر: "معالم التنزيل" ٤/ ٤٠١، و"زاد المسير" ٨/ ١٠٥، و"لباب التأويل" ٤/ ٣١٦، و"تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٤٥٧.
(٢) وجاء في تفسيرها كما في "البسيط" لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا أي كذبًا وجورًا، قاله المفسرون، ومعنى الشطط في اللغة: مجاوزة القدر.
قال الفراء: يقال: أشط في اللوم إذا جاوز القدر، ولم أسمع إلا أشطّ يشط أشطاطًا وشططًا. وحكى الزجاج وغيره: شط الرجل وأشط، إذا جاوز، ومنه: وَلَا تُشْطِطْ، ومثله: أشط، وأصل هذا من قولهم: شطت الدار إذا بعدت، فالشطط في القول بعد عن الحق.
وانظر المعنى اللغوي، وهو مجاوزة المحدود، والتباعد عن الحق، مادة: (شطط) في كل من: "الصحاح" ٣/ ١١٣٧، و"اللسان" ٧/ ٣٣٤، و"تاج العروس" ٥/ ٦٩١.
(٣) وردت في (ع): "إنا ظننا" الآية.
(٤) وهو قول الثعلبي نقله عنه بنصه. انظر: "الكشف والبيان" ١٢/ ١٩٢/ ب، وممن ذهب من المفسرين إلى هذا القول: الطبري، والسمرقندي، والبغوي، وابن الجوزي، والقرطبي، والخازن، وابن كثير. انظر: "جامع البيان" ٢٩/ ١٠٧ - ١٠٨، و"بحر العلوم" ٣/ ٤١١، و"معالم التنزيل" ٤/ ٤٠٢، و"زاد المسير" ٨/ ١٠٥، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ١٩، و"لباب التأويل" ٤/ ٣١٦، و"تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٤٥٧.

صفحة رقم 289

قال ابن قتيبة: يقول: كنا نتوهم أن أحدًا لا يقول على الله باطلاً، يريدون أنا كنا نصدقهم، ونحن نظن أن أحدًا لا يكذب على الله، وانقطع هاهنا قول الجن (١).
قال الله جل وعز: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ (فمن فتح "وأنه" حملها على "أوحي"، ومن كسر جعلها مبتدأة (٢) من الله تعالى) (٣).
قوله تعالى: يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ قال جماعة المفسرين: كان الرجل في الجاهلية إذا سافر فأمسى في قفر (٤) من الأرض قال: أعوذ بسيد هذا الوادي، أو بعزيز هذا المكان، من شر سفهاء قومه، فيبيت في جوار منهم حتى يصبح (٥).

(١) "تأويل مشكل القرآن" ٤٢٧ بنصه.
(٢) لأن حقّها إذا دخلت على الابتداء أن تكسر؛ لأنها حرف مبتدأ به للتأكيد. قاله مكي. انظر: "الكشف عن وجوه القراءات السبع" ٢/ ٣٤١.
(٣) ما بين القوسين نقلاً عن "الحجة" بتصرف واختصار: ٦/ ٣٣٢.
(٤) القفر في اللغة: المكان الخلاء من الناس. وفي اللسان: الخلاء من الأرض. انظر (قفر) في: "تهذيب اللغة" ٩/ ١٢٠، و"لسان العرب" ٥/ ١١٠. وقال الجوهري: القَفْر: مفازة لا ماء فيها، ولا نبات، والجمع: قفار. "الصحاح" ٢/ ٧٩٧ مادة: (قفر).
(٥) قال بمعنى ذلك: ابن عباس، والحسن، وإبراهيم، ومجاهد، وابن زيد. انظر: "جامع البيان" ٢٩/ ١٠٨، و"النكت والعيون" ٦/ ١١١، وعزاه إلى ابن زيد فقط. وقال به: ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" ٤٢٨، والسمرقندي، والثعلبي، والبغوي، وحكاه ابن عطية عن جمهور المفسرين، وابن الجوزي، والفخر الرازي عن جمهور المفسرين، والخازن.
انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٣٤، و"بحر العلوم" ٣/ ٤١١، و"الكشف والبيان" ١٢: ١٩٣/ أ، و"معالم التنزيل" ٤/ ٤٠٢، و"المحرر الوجيز" ٥/ ٣٨٠، و"زاد المسير" ٨/ ١٠٥، و"التفسير الكبير" ٣٠/ ١٥٦، و"لباب التأويل" ٤/ ٣١٦.

صفحة رقم 290

وقوله: فَزَادُوهُمْ رَهَقًا قال أبو عبيدة: سفهًا وطغيانًا وظلمًا (١).
وقال الليث (٢)، وغيره (٣) (٤): الرهق: جهل في الإنسان، وخِفَّةٌ في عقله. والرَّهَق: غشيان الشيء، وفي فلان رهقٌ يغشى المحارمَ، ومنه قوله تعالى: وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ [يونس: ٢٦]-وقد مر (٥) -، ورجل مُرَهَّقٌ: يغشاه السُّؤال والضيفان، ومنه قول زهير:

ومُرَهَّق النِّيرانِ يُحْمَدُ في اللأْواءِ غيرُ مُلَعَّنِ القِدْرِ (٦) (٧)
ويقال: رهقتنا الشمس إذا قربت (٨).
ومعنى قول المفسرين يعود إلى هذا، وهو أنهم قالوا في قوله:
(١) "مجاز القرآن" ٢/ ٢٧٢، بزيادة: (وظلمًا).
(٢) "تهذيب اللغة" ٥/ ٣٩٧ - ٣٩٨، نقله عنه باختصار.
(٣) يراد به الأصمعي. انظر: "تهذيب اللغة"؛ مرجع سابق.
(٤) ساقطة من: (أ).
(٥) جاء في تفسير الآية السابقة من الحاشية ١٠: (ولا يرهق وجوههم: أي لا يغشاها، يقال: رهقه ما يكره، أي: غشيه، قال ابن عباس: يريد ولا يصيب وجوههم.
(٦) ورد البيت منسوبًا له في ديوانه: ٢٨ ط دار صادر. وأيضًا في مادة: (رهق): "الصحاح" ٤/ ١٤٨٧، و"لسان العرب" ١٠/ ١٣٠، و"تاج العروس" ٦/ ٣٦٥.
ومعنى البيت: مرهق النيران: تُغشى نيرانه، اللأواء: الشدة والجهد والضيق، غير ملعن القدر: لا تُسبُّ قِدره لأنه يُطعِم.
انظر: "شرح شعر زهير" لأبي العباس ثعلب، تحقيق د. فخر الدين قباوة: ٨٠.
(٧) ما بين القوسين انظر له: "تهذيب اللغة" ٥/ ٣٩٧ - ٣٩٨: مادة: (رهق).
(٨) جاء في "الصحاح" ويقال: طلبت فلانًا حتى رَهِقْتُةُ رَهَقًا: أي دنوت منه، فربما أخذه، وربما لم يأخذه. ٤/ ١٤٨٧. وفي "اللسان" وأرهقنا الليل: دنا منا، وأرهقنا الصلاة: آخرناها حتى دنا وقت الأخرى. ١٠/ ١٣٠، مادة: (رهق).

صفحة رقم 291

(فزادوهم رهقًا) أي إثمًا (١)، وجراءة (٢)، وطغيانًا (٣)، وخطيئة (٤)، وغيًّا (٥)، وشرًا (٦)، كل هذا من ألفاظهم، والمعنى: أنهم يزدادون بهذا التعوذ طغيانًا، وإثمًا، فيقولون: [سدنا] (٧) الجن والإنس.
ويجوز أن يكون المعنى: زادت الجن والإنس رهقًا، أي ظلمًا، يعني لما تعوذوا (بهم) (٨) استذلوهم، واجترؤوا عليهم، فزادوهم ظلمًا، وهذا

(١) قاله ابن عباس. انظر: "جامع البيان" ٢٩/ ١٥٩، و"الكشف والبيان" ١٢/ ١٩٣/ أ، و"النكت والعيون" ٦/ ١١١، و"معالم التنزيل" ٤/ ٤٠٢، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ١٠، و"تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٤٥٧.
(٢) قاله قتادة. انظر: "جامع البيان" ٢٩/ ١٠٩، و"الكشف البيان" ١٢/ ١٩٣/ أ، و"تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٤٥٧.
(٣) قاله مجاهد. انظر: المراجع السابقة. إضافة إلى: "النكت والعيون" ٦/ ١١١، و"معالم التنزيل" ٤/ ٤٠٢.
(٤) قاله قتادة أيضًا. انظر: "تفسير عبد الرزاق" ٢/ ١٣٢، و"الكشف والبيان" ١٢/ ١٩٣/ أ، و"القرطبي" ١٠/ ١٩، و"الدر المنثور" ٨/ ٣١٠، وعزاه إلى عبد بن حميد.
(٥) قاله مقاتل. انظر: "الكشف والبيان" جـ: ١٢: ١٩٣/ أ، و"النكت والعيون" ٦/ ١١١، و"معالم التنزيل" ٤/ ٤٠٢.
(٦) قاله الحسن. انظر: "الكشف والبيان" جـ: ١٢: ١٩٣/ أ.
ومن ألفاظهم أيضًا: خوفًا؛ قاله ابن زيد، وأبو العالية، والربيع. انظر: "الكشف والبيان" ١٢/ ١٩٣/ أ، و"النكت والعيون" ٦/ ١١١، و"القرطبي" ١٠/ ١٩.
وعظمة: قاله إبراهيم. انظر: "الكشف والبيان"، و"معالم التنزيل"؛ مرجعان سابقان. وكفر. قاله سعيد. انظر: "النكت والعيون"؛ مرجع سابق.
وأذًى. قاله السدي. انظر: المرجع السابق. سفهًا. قاله ابن عيسى. مرجع سابق. وقال الزجاج. ذلة وضعفًا. "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٣٤.
(٧) في كلا النسختين: سيدنا، وأثبت ما تستقيبم به العبارة.
(٨) ساقطة من: (أ).

صفحة رقم 292

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية