ﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓ

وَوَصْفُ اللَّهِ بِأَنَّهُ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لِمُنَاسَبَةِ الْأَمْرِ بِذِكْرِهِ فِي اللَّيْلِ وَذِكْرِهِ فِي النَّهَارِ وَهُمَا وَقْتَا ابْتِدَاءِ غِيَابِ الشَّمْسِ وَطُلُوعِهَا، وَذَلِكَ يُشْعِرُ بِامْتِدَادِ كُلِّ زَمَانٍ مِنْهُمَا إِلَى أَنْ يَأْتِيَ ضِدُّهُ فَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ جِهَتَيِ الشُّرُوقِ وَالْغُرُوبِ، فَيَكُونُ لِاسْتِيعَابِ جِهَاتِ الْأَرْضِ، أَيْ رَبُّ جَمِيعِ الْعَالَمِ وَذَلِكَ يُشْعِرُ بِوَقْتَيِ الشُّرُوقِ وَالْغُرُوبِ.
وَيَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِمَا وَقْتَا الشُّرُوقِ وَالْغُرُوبِ، أَيْ مَبْدَأَ ذَيْنِكَ الْوَقْتَيْنِ وَمُنْتَهَاهُمَا، كَمَا يُقَال: سبحوا لله كُلَّ مُشْرِقِ شَمْسٍ، وَكَمَا يُقَالُ: صَلَاةُ الْمَغْرِبِ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِ رَبُّ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ حَذْفًا جَرَى عَلَى الِاسْتِعْمَالِ فِي مِثْلِهِ مِمَّا يَسْبِقُ فِي الْكَلَامِ حَدِيثٌ عَنْهُ.
ثُمَّ أُرِيدَ الْإِخْبَارُ عَنْهُ بِخَبَرٍ جَامِعٍ لِصِفَاتِهِ، وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ النَّعْتِ الْمَقْطُوعِ الْمَرْفُوعِ بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ. وَقَرَأَهُ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَيَعْقُوبَ وَخَلَفٍ بِخَفْضِ رَبِّ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ رَبِّكَ.
وَعُقِّبَ وَصْفُ اللَّهِ بِ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، بِالْإِخْبَارِ عَنْهُ أَوْ بِوَصْفِهِ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لِأَنَّ تَفَرُّدَهُ بِالْإِلَهِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ النَّتِيجَةِ لِرُبُوبِيَّةِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فَلَمَّا كَانَتْ رُبُوبِيَّتُهُ لِلْعَالَمِ لَا يُنَازِعُ فِيهَا الْمُشْرِكُونَ أُعْقِبَتْ بِمَا يَقْتَضِي إِبْطَالَ دَعْوَى الْمُشْرِكِينَ تَعَدُّدَ الْآلِهَةِ بِقَوْلِهِ: لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ تَعْرِيضًا بِهِمْ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ مَسُوقًا إِلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلِذَلِكَ فُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا، وَإِذ كَانَ الْأَمر باتخاذ وَكِيلًا مُسَبَّبًا عَنْ كَوْنِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كَانَ ذَلِكَ فِي قُوَّةِ النَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ وَكِيلٍ غَيْرِهِ، إِذْ لَيْسَ غَيْرُهُ بِأَهْلٍ لِاتِّخَاذِهِ وَكِيلًا.
وَالْوَكِيلُ: الَّذِي يُوكَلُ إِلَيْهِ الْأُمُورُ، أَيْ يُفَوَّضُ إِلَى تَصَرُّفِهِ، وَمِنْ أَهَمِّ التَّفْوِيضِ أَمْرُ الِانْتِصَارِ لِمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَلَغَهُ قَوْلُ الْمُشْرِكِينَ فِيهِ اغْتَمَّ لِذَلِكَ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ تَزَمُّلِهِ مِنْ مَوْجِدَةِ الْحُزْنِ فَأَمَرَهُ اللَّهُ بِأَنْ لَا يَعْتَمِدَ إِلَّا عَلَيْهِ، وَهَذَا تَكَفُّلٌ بِالنَّصْرِ وَلِذَلِكَ عُقِّبَ بِقَوْلِهِ: وَاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ [المزمل: ١٠].
[١٠]
[سُورَة المزمل (٧٣) : آيَة ١٠]
وَاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً

صفحة رقم 267

(١٠)
عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [المزمل: ٩]، وَالْمُنَاسَبَةُ أَنْ الصَّبْرَ عَلَى الْأَذَى
يُسْتَعَانُ عَلَيْهِ بِالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ.
وَضَمِيرُ يَقُولُونَ عَائِدٌ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مُعَادٌ فَهُوَ مِنَ الضَّمَائِرِ الَّتِي اسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ مُعَادِهَا بِأَنَّهُ مَعْلُومٌ لِلسَّامِعِينَ كَمَا تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَمِنْ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ [الْجِنّ: ١٦] الْآيَاتِ مِنْ سُورَةِ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ [الْجِنّ: ١]، وَلِأَنَّهُ سَيَأْتِي عَقِبَهُ قَوْلُهُ وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ [المزمل: ١١] فَيُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنَ الضَّمِيرِ.
وَقَدْ مَضَى فِي السُّوَرِ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ مَقَالَاتُ أَذًى مِنَ الْمُشْرِكِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفِي سُورَةِ الْعَلَقِ [٩، ١٠] أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى. قِيلَ هُوَ أَبُو جَهْلٍ تَهَدَّدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَئِنْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَيَفْعَلَنَّ وَيَفْعَلَنَّ. وَفِيهَا: إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [العلق: ٦، ٧]. قِيلَ هُوَ الْأَخْنَسُ بْنُ شُرَيْقٍ «تَنَكَّرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أَنْ كَانَ حَلِيفَهُ»، وَفِي سُورَةِ الْقَلَمِ [٢- ١٥] مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ إِلَى قَوْلِهِ: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ، وَقَوْلِهِ: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ إِلَى قَوْلِهِ: قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [الْقَلَم: ١٥] رَدًّا لِمَقَالَاتِهِمْ. وَفِي سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ [١١- ٢٥] إِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً إِلَى قَوْلِهِ: إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ، قِيلَ: قَائِلُ ذَلِكَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ. فَلِذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّبْرِ عَلَى مَا يَقُولُونَ.
وَالْهَجْرُ الْجَمِيلُ: هُوَ الْحَسَنُ فِي نَوْعِهِ، فَإِنَّ الْأَحْوَالَ وَالْمَعَانِيَ مِنْهَا حَسَنٌ وَمِنْهَا قَبِيحٌ فِي نَوْعِهِ وَقَدْ يُقَالُ: كَرِيمٌ، وَذَمِيمٌ، وَخَالِصٌ، وَكَدِرٌ، وَيَعْرِضُ الْوَصْفُ لِلنَّوْعِ بِمَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ مِنْ عَوَارِضَ تُنَاسِبُ حَقِيقَةَ النَّوْعِ فَإِذَا جُرِّدَتِ الْحَقِيقَةُ عَنِ الْأَعْرَاضِ الَّتِي قَدْ تَعْتَلِقُ بِهَا كَانَ نَوْعُهَا خَالِصًا، وَإِذَا أُلْصِقَ بِالْحَقِيقَةِ مَا لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِهَا كَانَ النَّوْعُ مُكَدَّرًا قَبِيحًا، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى [الْبَقَرَة: ٢٦٤]، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ فِي سُورَةِ النَّمْلِ [٢٩]، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ فِي سُورَةِ يُوسُفَ [١٨]، وَقَوْلُهُ فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا فِي سُورَةِ الْمَعَارِجِ [٥].
فَالْهَجْرُ الْجَمِيلُ هُوَ الَّذِي يَقْتَصِرُ صَاحِبُهُ عَلَى حَقِيقَةِ الْهَجْرِ، وَهُوَ تَرْكُ الْمُخَالَطَةِ فَلَا يَقْرِنُهَا بِجَفَاءٍ آخَرَ أَوْ أَذًى، وَلَمَّا كَانَ الْهَجْرُ ينشأ عَن بعض الْمَهْجُورِ، أَوْ كَرَاهِيَةِ

صفحة رقم 268

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الطاهر بن عاشور

الناشر الدار التونسية للنشر
سنة النشر 1403
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية