وهذا المعنى أراد الزجاج (١) بقوله: اتخذه كفيلًا بما وعدك (٢).
وهو قول الفراء (٣).
١٠ - وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ. لك من التكذيب والأذى.
وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا واعتزلهم اعتزالًا حسنًا، لا جزع فيه.
قال الكلبي (٤)، ومقاتل (٥): قالوا هذا قبل أن (٦) أمر بالقتال (٧).
(٢) ورد قوله في "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٤١ بنصه.
(٣) "معاني القرآن" ٣/ ١٩٨.
(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٥) "تفسير مقاتل" ٢١٣/ ب.
(٦) بياض في (ع).
(٧) قال أبو جعفر النحاس في قوله: وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠): "كان هذا قبل أن يؤمر بالقتال وقتلهم، فنسخت آية القتال ما كان قبلها من الترك". "الناسخ والمنسوخ" ٢٩٢.
وبهذا قال أيضًا هبة الله بن سلامة في "الناسخ والمنسوخ" ١٨٧، والخزرجي في "نفس الصباح" ٢/ ٧٥٨، وابن الجوزي في "المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ" ٥٨، وابن البارزي في "ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه" ٥٥. وقال بذلك أيضًا قتادة في "جامع البيان" ٢٩/ ١٣٢، والزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٤١، والماوردي في "النكت والعيون" ٦/ ١٢٩، والبغوي في "معالم التنزيل" ٤/ ٤٠٩. قلت: ليس في الآية ما يدعو إلى القول بالنسخ، فالصبر على الأذى، وهجر الكفر وأهله ليس فيه ما يعارض الجهاد في سبيل الله، "بل الهجر من باب العقوبات الشرعية، فهو من جنس الجهاد في سبيل الله، وهذا يفعل لأن تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله"، وقد ذهب أئمة إلى عدم القول بالنسخ في هذه الآية، ولهذا لم يوردوها في "الناسخ والمنسوخ"، نحو الزهري في كتابه: "الناسخ والمنسوخ"، والبغدادي أيضًا في كتابه: "الناسخ والمنسوخ"، =
(قوله تعالى) (١): وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ قال ابن عباس: يريد دعني ومن كذبك، وهذا كقوله: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ [القلم: ٤٤] (٢).
قال الزجاج: العرب إذا أرادت أن تأمر إنسانًا [فإن] (٣) له هَمَّة بأمر أو خصم له تقول: دعني وذاك، ودعني وفلانًا، ليس أنه حال بينه وبين ذلك الأمر، أو ذلك الإنسان، ولكن تأويله: لا تهتم به، فإني أكفيكه (٤).
وقوله تعالى: أُولِي النَّعْمَةِ قال ابن عباس (٥)، (ومقاتل (٦)) (٧): أولي الغنى، وكثرة الأموال.
وذكرنا تفسير النعمة فيما تقدم (٨).
(١) ما بين القوسين ساقط من (ع).
(٢) لم أعثر على مصدر لقول ابن عباس.
(٣) فإنا هكذا وردت في كلا النسختين، وأثبت ما جاء في مصدر القول.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٤١.
(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٦) لم أعثر على مصدر لقوله، ولعله فسر الغنى في غير هذا الموطن. والله أعلم.
(٧) ساقط من (أ).
(٨) نحو ما جاء في سورة الدخان: ٢٧ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧)، وقد جاء في تفسيرها " (ونَعْمة) قال علماء اللغة: نَعْمة العيش -بفتح النون- حُسْنُهُ، وغَضَارَتُهُ، ونعمة الله: مَنُّه وعطاؤه، قال المفسرون: وعيش لين رغد كانوا متنعمين". ونحو ما جاء في سورة الزمر: ٨ قال تعالى: وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ، وقد جاء في تفسير إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ "قال ابن عباس: يريد: غناه، وأنعم الله عليه بالصحة، وقال مقاتل: أعطاه الله الخير".
وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا قال ابن عباس: حياتهم حتى (يأتي الوعد (١)) (٢).
وقال الكلبي: نزلت في المُطْعِمِين ببدر، وهم عشرة من قريش، قتلهم الله ببدر (٣).
وقال مقاتل: يعني بني المغيرة، أهلكهم الله ببدر (٤).
ثم ذكر ما لهؤلاء عنده، فقال: إِنَّ لَدَيْنَا (أَنْكَالًا) (٥) (٦)
قال المفسرون: إن عندنا في الآخرة أنكالاً، واحدها: نِكْل، وهو القيد في قول جميع المفسرين (٧)،............
(٢) ما بين القوسين بياض في (ع).
(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٤) "تفسير مقاتل" ٢١٣/ ب، و"زاد المسير" ٨/ ١٦٦، وقد ورد قول مقاتل عند تفسير الآية: وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ [المزمل: ١١].
(٥) ساقط من (ع).
(٦) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢).
(٧) قال بذلك: ابن عباس، وعكرمة، وطاووس، ومحمد بن كعب، وعبد الله بن بريدة، وأبو مجلز، والضحاك، وقتادة، والسدي، والثوري، ومجاهد، وحماد ابن أبي سليمان، والحسن، وسليمان التيمي. انظر أقوالهم في تفسير الإمام مجاهد: ٦٨٠، و"جامع البيان" ٢٩/ ١٣٤ - ١٣٥، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ٤٥، و"تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٤٦٦ - ٤٦٧، و"الدر المنثور" ٨/ ٣١٩، وانظر: "صحيح البخاري" ٣/ ٣١٦، كتاب التفسير: باب سورة المزمل (٧٣)، وقال بذلك ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ٤٩٤، وفسرها الطبري بذلك، وقال: "وبمثل الذي قلنا قال أهل التأويل" في "جامع البيان" ٢٩/ ١٣٤، وبه قال أيضًا السمرقندي في "بحر العلوم" ٣/ ٤١٧، والزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٤١، والثعلبي في "الكشف والبيان" ١٢: ٢٠٢/ أ، والبغوي في "معالم التنزيل" ٤/ ٤٢٠، والزمخشري في "الكشاف" ٤/ ١٥٤، وابن الجوزي في "زاد =
(وأهل اللغة (١)) (٢). وقال الكلبي: أغلالًا من حديد (٣).
وقال أبو عمران الجوني: هي قيود لا تحل أبدًا (٤).
وقوله تعالى: وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ لا يسوغ في الحلق، والغصة: ما يغص به الإنسان (٥).
والله أعلم. وأما ما ذكره الشيخ السعدي من أن أَنكاَلًا أي عذابا شديدًا في تيسير الكريم الرحمن: ٥/ ٣٢٧. قلت: قول الشيخ السعدي، وإن كان في لفظه مخالفًا، فهو موافق في معناه، عام في دلالته؛ إذ القيود من أنواع العذاب الشديد، وعليه لا يكون مخالفًا لجمهور المفسرين.
(١) قال بذلك الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٤١، والأخفش، انظر: "النكت والعيون" ٦/ ١٣٠، وهو قول الأزهري، والجوهري، والزبيدي. انظر مادة: (نكل) في "تهذيب اللغة" ١٠/ ٢٤٥، و"الصحاح" ٥/ ١٨٣٥، و"القاموس المحيط" ٤/ ٦٠.
(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٣) ورد قوله من غير ذكر لفظ الحديد في كل من "النكت والعيون" ٦/ ١٣٠، و"معالم التنزيل" ٤/ ٤١٠، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ٤٥، و"البحر المحيط" ٨/ ٣٦٤، و"فتح القدير" ٥/ ٣١٨.
(٤) "الدر المنثور" ٨/ ٣١٩ بمعناه، وعزاه إلى عبد بن حميد، و"فتح القدير" ٥/ ٣١٨.
(٥) قال ابن فارس: "غص": الغين والصاد ليس فيه إلا الغَصَص بالطعام. "معجم مقاييس اللغة" ٤/ ٣٨٣.
وقال ابن عباس (١)، والمفسرون (٢): يعني الزقوم. وهو قول مجاهد (٣)، (ومقاتل (٤)) (٥)، وعكرمة (٦).
وقال أبو إسحاق: أي طعامهم الضريع، كما قال عز وجل: لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) [الغاشية: ٦]، وهو شوك كالعَوْسَج (٧) (٨).
وهذا معنى قول ابن عباس [في رواية عكرمة]، قال: شوك يأخذ بالحلق لا يدخل ولا يخرج (٩).
(٢) قال بذلك: الثعلبي في "الكشف والبيان" جـ: ١٢: ٢٠٢/ ب، والبغوي في "معالم التنزيل" ٤/ ٤١٠.
(٣) "جامع البيان" ٢٩/ ١٣٥، و"النكت والعيون" ٦/ ١٣٠، و"المحرر الوجيز" ٥/ ٣٨٩، و"البحر المحيط" ٨/ ٣٦٤، و"الدر المنثور" ٨/ ٣١٩ وعزاه إلى عبد بن حميد، و"فتح القدير" ٥/ ٣١٨.
(٤) "تفسير مقاتل" ٢١٣/ ب، و"زاد المسير" ٨/ ١١٦.
(٥) ساقط من (أ).
(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٧) العوسج: هو شجر من شجر الشَّوك، وله ثمر أحمر مُدَوَّرٌ كأنه خرز العقيق. انظر "لسان العرب" ٢/ ٣٢٤ مادة: (عسج). وفي "تهذيب اللغة": "العوسج: شجر كثير الشوك، وهي ضروب، منها ما يثمر ثمرًا أحمر يقال له: المُصع". ١: ٣٣٨ مادة: (عسج).
(٨) ورد قول أبي إسحاق في "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٤٢ بنصه.
(٩) بياض في الحرف الأخير من الكلمة في (ع). وورد قوله في "جامع البيان" ٢٩/ ١٣٥، و"النكت والعيون" ٦/ ١٣٠، و"زاد المسير" ٨/ ١١٦، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ٤٥، و"تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٤٦٧، و"الدر المنثور" ٨/ ٣١٩ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في صفة النار، وعبد الله بن =
ثم أخبر متى يكون ذلك فقال:
(قوله تعالى) (١): يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ قال الزجاج: (يوم) منصوب معلق بقوله: إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) [المزمل: ١٢]
أي ينكل بالكافرين ويعذبهم يوم ترجف الأرض والجبال، أي تزلزل وتحرك أغلظ حركة (٢).
وقوله تعالى: وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا قال (أبو زيد (٣)، و) (٤) الأصمعي (٥): الكثيب: القطعة من الرمل تنقاد (٦) مُحْدَوْدِبة (٧).
(١) ما بين القوسين ساقط من (ع).
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٤٢. ولـ "يوم" أوجه أخرى في نصبها، فليراجع في ذلك "التبيان في إعراب القرآن" للعكبري: ٢/ ١٢٤٧، و "الدر المصون" ٦/ ٤٠٧.
(٣) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد له معنًى يقارب ما قاله الليث، وعبارته: قال: "كَثَب الطعام أكثبه كثبًا ونثرته نثرًا، وهما واحد". "تهذيب اللغة" ١٠/ ١٨٥ مادة: (كثب).
(٤) ساقط من (أ).
(٥) ورد قوله في "تهذيب اللغة" ١٠/ ١٨٥ مادة: (كثب).
(٦) تنقاد: قال ابن منظور: "كل شيء من جبل أو مُسنَّاة كان مستطيلًا على وجه الأرض فهو قائد، وظهر من الأرض يقول وينقاد ويتقاود كذا وكذا ميلًا. القوداء: الطويلة، ومنه: رمل منقاد، أي: مستطيل". "لسان العرب" ٣/ ٣٧١ مادة: (قود).
(٧) مُحْدَوْدِبة: الحديث: حدور في صبب، كحدب الرِّيح والرَّمل. "لسان العرب" ١/ ٣٠١ مادة: (حدب). وقال ابن فارس: "الحاء والدال والباء: أصل واحد، وهو ارتفاع الشيء، فالحَدَب ما ارتفع من الأرض". "معجم مقاييس اللغة" ٢/ ٣٦ مادة: (حدب). وانظر: "المصباح المنير" ١/ ١٤٨ مادة: (حدب).
وقال الليث: الكثيب: نثر التراب، (أو الشيء) (١) يرمي به (٢) (٣).
والفعل اللازم الكثيب ينكثب انكثابًا، وسمي الكثيب كثيبًا؛ لأن ترابه دقاق، كأنه مكثوب منثور بعضه على بعض لرخاوته.
وقال أبو إسحاق: الكثيب: جمعه الكثبان، وهي القطع العظام من الرمل، ومعنى "مهيلًا" سائلًا قد سيّلَ، يقال: تراب مهيل، ومهيول، أي مَصْبُوبٌ مُسيّل، والأكثرون في اللغة: المهيل، وهو مثل قولك: مكيل، ومكيول، ومدين، ومديون، وذلك أن (الياء) تحذف منه الضمة، فتسكن هي و (الواو) فتحذف (الواو) لالتقاء الساكنين (٤). (ذكره الفراء (٥)، والزجاج (٦)) (٧).
قال أبو عبيدة (٨): يقال لكل شيء أرسلته إرسالاً من رمل، أو تراب، أو طعام، ونحوه: قد هِلْتُه أهيله هيلاً، إذا أرسلته مجرى، وهو طعام مهيل (٩).
قال مقاتل في قوله: كَثِيبًا مَهِيلًا هو الرمل إذا حركته من تحته يتبع
(٢) قوله: يرمي به: بياض في (ع).
(٣) وانظر قول الليث في "تهذيب اللغة" ١٠/ ١٨٥ (كثب)، و"لسان العرب" ١/ ٧٠٢.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٤٢ بيسير من التصرف.
(٥) "معاني القرآن" ٣/ ١٩٨.
(٦) كرر اسمه، انظر الهامش السابق رقم: ١.
(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٨) في (ع): أبو عبيد.
(٩) "مجاز القرآن" ٢/ ٢٧٣، وقد ورد قوله مختصرًا في المجاز، وعبارته قال: "كثيبًا مهيلًا من هِلته تهيله".
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي