ﮡﮢﮣﮤﮥ

وطعاماً ذا غُصَّةٍ الذي ينشب في الحلوق فلا يُساغ، يعني : الضريع والزقوم. وعذاباً أليماً ؛ مؤلماً يخلص وجعه إلى القلب. رُوي أنه صلى الله عليه وسلم قرأ الآية فصعق١، وعن الحسن : أنه أمْسى صائماً، فأُتي بطعام، فعرضت له هذه الآية، فقال : ارفعه، ووُضع عنده الليلة الثانية فعرضت له، فقال : ارفعه، وكذلك الليلة الثالثة، فأخبر ثابت البناني وغيره، فجاؤوا، فلم يزالوا به، حتّى شرب شربةً من سَّوِيق.
وهذا العذاب واقع يَوْمَ ترجُف الأرضُ والجبالُ .
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قال القشيري : فذرني والمكذّبين، القائلين بكثرة الوجود وتعدده. هـ. أي : مع أنه متحد، كما قال الشاعر :

هَذا الوُجودُ وإن تَعَدَّدَ ظَاهِـراً وحَيَاتكُـم ما فِيـه إلا أَنْتُـمُ
أُولي النِّعمة : الترفُّه، فطلبُ اللذات والتنعُّم شَغَلهم عن التبتُّل، حتى افترقت قلوبُهم وأرواحهم، وأشركوا مع الله غيره، و " مَهِّلْهُم قليلاً " أي : زمن عمرهم ؛ لأنه قليل وإن طالت مدته ؛ إذ لا فائدة فيه. إنَّ لدينا أنكالاً، أي : قيوداً من العلائق والعوائق تعلقهم وتعوقهم عن الوصول إلى أسرار التوحيد، وطعاماً ذا غُصةٍ يغص الروح عن شراب الحمرة ؛ لضيق مسلكه بوجود العوائق، وعذاباً أليماً : البُعد والطرد عن باب حضرتنا وجناب كبريائنا. يوم ترجف أرض البشرية بهزها بذكر الله، وجبال العقل بتجلِّي أنوار الذات، فيصير هباءً منثوراً. إنَّا أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم ، وهو الداعي إلى هذه الأسرار التفريدية، كما أرسلنا إلى فراعين كل زمان رسولاً يدعوهم إلى الله، فعصى فرعونُ كل زمان رسولَه، وهو الخليفة عن الله ورسولِه صلى الله عليه وسلم، فأخذناه أخذاً وبيلاً، فاختطفته المنية من سعة القصور إلى ضيق القبور، فكيف تتقون الله حق تقاته، إن كفرتم يوم وقوفكم بين يدي الواحد القهار ؟ يوم تشيب فيه الولدان خجلاً من الملك الديّان. السماءُ منفطر مِن هوله، حين يُحال بين المرء وعملِه، إذ ليس محلّ العمل، وإنما هو محل إظهار كرامات العمل، وحِيل بينهم وبين ما يشتهون، إنَّ هذه تذكرة بالغة، فمَن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً يوصله إليه اليوم، قبل أن يُحال بينه وبينه بسور الموت. وبالله التوفيق.

١ أخرجه الطبري في تفسيره ٢٩/١٣٥، وأحمد في الزهد ص٣٩، والسيوطي في الدر المنثور ٦/٤٤٦..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير