١- يقدّر : يحسب.
٢- لن تحصوه : هنا بمعنى لن تصلوا إلى الغاية من عبادته أو لن تطيقوه.
٣- فتاب عليكم : هنا بمعنى خفف عنكم وتسامح معكم.
٤- الضرب في الأرض : كناية عن السعي في سبيل الرزق.
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ ١ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ ٢ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ٣ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ ٤ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ( ٢٠ ) .
تعليق على الآية :
إن ربك يعلم انك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه إلخ
وما روي في سياقها من روايات
وما انطوى فيها من صور وتلقين
معنى الآية واضح، والجمهور على أنها مدنية١. والمصحف الذي اعتمدناه ذكرها كذلك. وطابع المدنية عليها واضح مثل ذكر القتال في سبيل الله الذي إنما كان بعد الهجرة ومثل تعبير إقراض الله الذي لم يرد إلا في الآيات المدنية حثاً على الإنفاق في سبيل الله. ويلحظ أن هناك مناسبة بين موضوع الآية وموضوع الآيات الأولى من السورة، فقيام الليل موضوع مشارك بينهما. وفي الآيات الأولى معنى الإلزام به وفي هذه الآية تخفيف. وفي هذا صورة من صور التأليف القرآني وخاصة في وضع الآيات المدنية في السور المكية. ونعتقد أن ذلك كان يتم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وفي حياته. ومن البراهين القرآنية على ذلك الآية الأخيرة من سورة النساء. فقد نزلت بعد أن تم تأليف السورة وفيها تتمة لتشريع الإرث الذي احتوته آيات السورة الأولى فأمر النبي بإلحاقها بالسورة ولو في آخرها للتناسب الموضوعي.
ولقد روى الطبري عن عائشة رضي الله عنها قالت : " كنت أجعل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصيراً يصلي عليه من الليل فتسامع به الناس فاجتمعوا، فخرج كالمغضب وكان بهم رحيماً، فخشي أن يكتب عليهم قيام الليل فقال : يا أيها الناس اكلفوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل وخير الأعمال ما دمتم عليه. ورأى الله ما يبتغون من رضوانه فرحمهم وأنزل الآية ".
ومهما يكن من أمر ففي الآية تنطوي صورة من صور حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأولين التعبدية، فالنبي صلى الله عليه وسلم ظل ملازماً لما أمره الله به من قيام الليل والتهجد فيه وتلاوة القرآن. وأصحابه الأولون حذوا حذوه في ذلك كما هو صريح في الآية وكما ذكرته آيات سورة الذاريات التي أوردناها قبل قليل. واستمر ذلك ردحاً في العهد المدني على ما تدل عليه الآية. فلما نما عدد المسلمين وكثرت مشاغلهم وواجباتهم اقتضت الحكمة التخفيف تمشياً مع الظروف والمصلحة وطبائع الأمور. فنزلت الآية وألحقت بالسورة التي أمرت آياتها الأولى النبي صلى الله عليه وسلم بقيام قسم كبير من الليل وحفزت أصحابه الأولين على الاقتداء به.
وواضح أنه ليس في الآية نسخ وإنما تخفيف وتعديل في أمر ليس أساسياً في العقدية والتكليف. فالصلاة والزكاة فرضان أساسيان في التكليف فأمرت بالتزامهما. والتهجد الليلي الطويل هو أمر إضافي مستحب، فلم تر حكمة الله بأسا في تخفيفه وتعديله مراعاة لطاقة المسلمين وظروفهم. وفي هذا مشهد من مشاهد التطور في التكليف والتشريع والتنزيل. وفيه تلقين جليل يصح أن يقاس عليه. وفيه إيذان بأن الله لا يكلف في عبادته إلاّ المستطاع الذي لا يكون فيه مشقة وضنى، ولا يسبب إهمالاً وانصرافاً وعجزاً عن الواجبات المشروعة الأخرى ؛ شخصية كانت أم عمومية. فالله يعلم الناس مهما حرصوا واشتدوا في العبادة فلن يوفوا الله حقه ولن يبلغوا الغاية. وإن منهم المريض ومنهم الساعي في سبيل الرزق والمرابط والمقاتل في سبيل الله. وكل هذه واجبات وأعذار مشروعة للتخفيف، ومثل هذه التلقينات قد تكرر في القرآن بأساليب متنوعة على ما سوف نشير إليه في مناسباته.
وننبه على هذا التلقين وأمثاله يجب أن يبقى في نطاق ما لم يرد فيه نصّ قرآني أو نبوي ثابت قاطع وصريح، وفي نطاق الرخص الصريحة ومدى التسهيلات القرآنية والنبوية الثابتة.
تعليق على الزكاة
وبمناسبة ورود كلمة " الزكاة " لأول مرة هنا ولو في آية مدنية نقول : إن أصل الكلمة زكا بمعنى : نما وطلب. وقد وردت الكلمة في القرآن بمعنى التطهير أو مرادفه له مثل ما جاء في آية سورة البقرة هذه : كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ( ١٥١ ) ، وفي آية سورة التوبة هذه : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ( ١٠٣ )، وإطلاقها على الصدقات مجازي يراد به أنها مطهرة أو منمية للمال. ونرجح أنها كانت تستعمل في هذا المعنى قبل البعثة بدليل ورودها به في آيات مبكرة جدا مثل آيات سورة الأعلى : قد أفلح من تزكى( ١٤ ) وذكر اسم ربك فصلى( ١٥ ) ، وآيات سورة الليل هذه : سيجنبها الأتقى ( ١٧ ) الذي يؤتى ماله يتزكى( ١٨ ) على اعتبار أن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وكل ما فيه بهذا اللسان الذي كان هو لسان العرب وأهل نزل بلسان عربي مبين، وكل ما فيه بهذا اللسان الذي كان هو بلسان العرب وأهل بيئة النبي قبل نزوله٢. غير أنها صارت علماً على الفريضة التي فرضت على أموال الأغنياء للفقراء والمحتاجين وسبل الخير ومصلحة المسلمين العامة.
وقد ذكرت بلفظها في سورة مبكرة نوعاً ما مثل آية سورة الأعراف هذه : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ( ١٥٦ ) ، وآية سورة مريم هذه : وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا( ٣١ ) . وفي سورتي النمل ولقمان المبكرتين نوعاً ما في النزول أيضا وردت بلفظها في سياق وصف المسلمين الأولين كما ترى في هذه الآيات :
١- الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ( ٣ ) [ النمل : ٣ ].
٢- الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ( ٤ ) أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ( ٥ ) [ لقمان ٤-٥ ].
حيث ينطوي في هذه الآيات دليل على أن الزكاة كانت ممارسة من قبل المسلمين الأولين قبل نزولها بمدة ما.
وهذه الآيات وإن جاءت بأسلوب التنويه والحث، فإن ذلك هو صفة جميع المأمورات والمنهيات القرآنية في السور المكية ؛ لأنه هو المتسق مع طبيعة العهد المكي على ما سوف ننبه عليه في مناسباته، ولا يمنع القول : إن النبي صلى الله عليه وسلم استلهاماً من آيات سورتي الأعلى والليل اللتين يرجح أنهما نزلتا في السنة الأولى من البعثة قد يكون اعتبرها ركناً من أركان الإسلام منذ عهد مبكر وأمر المسلمين الأولين الميسورين بأدائها ؛ لأن الحاجة كانت ماسة إلى ذلك سواء أكانت من أجل أغراض الدعوة أم من أجل مساعدة الذين آمنوا من الفقراء والمساكين والأرقاء وكانوا يتعرضون للأذى والحرمان.
ويلحظ أن أسلوب الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة جاء في سورة البقرة هذه : وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير( ١١٠ )ٌ ، التي نرجح أنها من أبكر الآيات المدنية في بابها حيث يسوغ القول : إن هذا الركن قد ثبت بأسلوب الأمر والتشريع حالما سنح الظرف المناسب، وهو الهجرة التي قوي بها الإسلام وصار بها سلطان ودولة يتمثلان في النبي صلى الله عليه وسلم والمجتمع الإسلامي الجديد في المدينة.
وليس في القرآن المكي ولا المدني مقدار محدد للزكاة، وقد حدد ذلك في الأحاديث النبوية. وهذه الأحاديث على ما يلمح من أسماء رواتها من أحاديث مدنية٣غير أن آيات في سور المعارج والذاريات والأنعام يمكن أن تفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حدد لها مقادير معينة في العهد المكي كما ترى فيما يلي :
١- كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ( الأنعام : ١٤١ ).
٢- والذين في أموالهم حق معلوم( ٢٤ ) للسائل والمحروم( ٢٥ ) [ المعا رج ٢٤- ٢٥ ].
ومن المحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم في العهد المدني أدخل تعديلات على المقادير التي حددها في العهد المكي. ومع أن مصارف الزكاة في آية من آيات سورة التوبة هذه : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ( ٦٠ ) . التي نزلت في وقت متأخر من العهد المدني، فإن أسلوبها والسياق الذي جاءت فيه يلهمان أن هذه المصارف مما جرى عليه قبل نزولها، وبالتالي أنه تشريع نبوي ثبت في هذه الآية. وقد ذكرت بعض هذه المصارف بألفاظها في إحدى آيات سورة البقرة المبكرة في النزول في العهد المدني وهي : لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ ( ١٧٧ ).
والزكاة في الآية التي نحن في صددها قرنت إلى الصلاة. وهذا تكرر في معظم الآيات التي ذكرت فيها الصلاة. وفي هذا القران من جهة وفي جعلها من صفات المؤمن الرئيسية كما جاء في آية النمل التي أوردناها قبل، وكما جاء في آية سورة المؤمنون هذه : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ( ١ ) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ( ٢ ) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ( ٣ ) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ( ٤ ) وغيرهما. وبعبارة أخرى في جعلها عنوانا من عناوين الإيمان وركناً من أركان الإسلام من جهة ثانية توطيدا لمبدأ المعونة المالية للمحتاجين إليها وللمصالح العامة بصورة إلزام وفرض، وعدم ترك ذلك للتطوع والاختيار. ولقد روي أن ابن عباس سئل عن حكمة قرن الصلاة إلى الزكاة في القرآن فقال : لأن الصلاة والزكاة توأمان في الإسلام لا تقبل إحداهما بدون الأخرى. تلك حق الله وهذه حق للناس.
ولعل فريضة الزكاة بهذه الصفة و
٢ - انظر فصل الحياة العقلية في كتابنا "عصر النبي صلى الله عليه وسلم وبيئته قبل البعثة"..
٣ - انظر نصوص الأحاديث وأسماء رواتها في كتاب "التاج الجامع"، ج ٢ ص ٨- ٢١..
التفسير الحديث
دروزة