لذا عوقب فرعون وأتباعه بالعقاب الثقيل الشديد وهو الغرق في البحر، وعوقب كفار مكة بالهلاك يوم بدر. ويكون الرسول صلّى الله عليه وسلّم شاهدا على قومه يوم القيامة بكفرهم وتكذيبهم.
٥- وبخ الله تعالى الكفار وقرعهم على كفرهم بطريق التساؤل بقوله:
كيف تتقون عذاب يوم يجعل الولدان شيبا إن كفرتم، وتتفطر فيه السماء؟
وهذا وصف لهول يوم القيامة بأمرين: الأول- يجعل الولدان شيبا، وهذا مثل في الشدة. والثاني- تتصدع فيه السماء. وكلاهما وصف لليوم بالشدة الشديدة، فهو يوم يشيّب نواصي الأطفال، والسماء على عظمتها وقوتها تتفطر فيه، فما ظنك بغيرها من الخلائق؟
٦- إن وعد الله تعالى بالقيامة والحساب والجزاء كائن لا شك فيه ولا خلف.
٧- دلت آية: إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا.. على أن القياس حجة لأنه استقر عند العقلاء وعند المشركين في مكة وغيرهم أن الشيئين اللذين يشتركان في مناط الحكم ظنا، يجب اشتراكهما في الحكم، وإلا لما أورد هذا الكلام على هذه الصورة.
تذكير وإرشاد بأنواع الهداية
[سورة المزمل (٧٣) : الآيات ١٩ الى ٢٠]
إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (١٩) إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)
الإعراب:
وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ طائفة مرفوع عطفا على الضمير المرفوع في تَقُومُ. وإنما جاز العطف على الضمير المرفوع المستكن في تَقُومُ لوجود الفصل، والفصل يقوم مقام التوكيد في تجويز العطف.
وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ بالجر عطفا على ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وبالنصب عطفا على أَدْنى.
عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى إِنَّ مخففة من الثقيلة، والسين عوض عن التشديد، وقد يقع التعويض بسوف وقد وحرف النفي، كما يعوض بالسين جبرا لما دخل الحرف من النقص.
تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً.. خَيْراً مفعول ثان ل تَجِدُوهُ والهاء: هي المفعول الأول، وهو ضمير فصل على قول البصريين، ولا موضع له من الإعراب: ويسميه الكوفيون عمادا، وله موضع من الإعراب.
البلاغة:
فَتابَ عَلَيْكُمْ استعارة، حيث شبه الترخيص بقبول التوبة في رفع التبعة.
فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ مجاز مرسل، أراد به الصلاة، من إطلاق الجزء وهو القراءة على الكل وهو الصلاة.
وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ عام بعد خاص، عمم بعد ذكر الصلاة والزكاة والإنفاق، ليشمل جميع أعمال الخير والصلاح.
وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً استعارة تبعية، شبه التصدق على المحتاجين بإقراض الله تعالى لأنه هو الذي يعطي الثواب المقابل.
هُوَ خَيْراً قال ذلك للتأكيد والمبالغة.
المفردات اللغوية:
إِنَّ هذِهِ الآيات الموعدة أو المخوفة. تَذْكِرَةٌ عظة. فَمَنْ شاءَ أن يتعظ.
اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا طريقا يتقرب به إلى الجنة، بالتزام الإيمان والطاعة أو التقوى والاحتراز عن المعصية. أَدْنى أقل منه. وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ يعلم مقادير ساعاتهما. أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ أي لن تستطيعوا تقدير الأوقات وضبط الساعات لتقوموا قيام الليل، فيحصل قيام الكل وهو أمر شاق عليكم. فَتابَ عَلَيْكُمْ بالتيسير والتخفيف والترخيص في ترك القيام. فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ أي فصلّوا ما تيسر لكم من صلاة الليل، عبر عن الصلاة بالقراءة. وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يسافرون للتجارة.
يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ يطلبون من فضله ورزقه بالتجارة وغيرها. وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يجاهدون، وكل من الفئات الثلاث يشق عليهم قيام الليل، فخفف عنهم بقيام ما تيسر منه، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس. وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ المفروضة. وَآتُوا الزَّكاةَ الواجبة. وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً أنفقوا في سبيل الخيرات فيما عدا المفروض من المال، عن طيب نفس. هُوَ خَيْراً أفضل مما أنفقتم. وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ في جميع أحوالكم ومجالسكم، فإن الإنسان لا يخلو من تفريط.
المناسبة:
بعد بيان أحوال المؤمنين السعداء وترغيبهم، وأحوال الأشقياء وتهديدهم بأنواع العذاب في الآخرة، ختمت السورة بتذكيرات مشتملة على أنواع الهداية والإرشاد، فمن أراد الاشتغال بالطاعة والاحتراز عن المعصية، فليفعل، ثم خفف عن المؤمنين مقدار قيام الليل لما يطرأ لهم من أعذار المرض، أو السفر للتجارة ونحوها، أو الجهاد في سبيل الله تعالى.
التفسير والبيان:
إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ، فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا أي إن ما تقدم في هذه السورة من الآيات المخوفة موعظة لأولي الألباب، فمن أراد اتعظ بها واتخذ الطاعة طريقا توصله إلى رضوان الله في الجنة. وبعد نزول أوائل السورة استعد النبي صلّى الله عليه وسلّم لقيام الليل، وترك الرقاد، ثم خفف الله عنهم قائلا:
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ، وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ، وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ أي إن الله يعلم أنك أيها الرسول تقوم ممتثلا أمر ربك أقلّ من ثلثي الليل أحيانا، أو تقوم نصفه أو ثلثه، وتقوم ذلك القدر معك طائفة من أصحابك، والله سيجازيكم على ذلك أحسن الجزاء.
وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ، عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ أي يعلم الله مقادير الليل والنهار حقيقة، ويعلم القدر الذي تقومونه من الليل، ولكن الله علم أنكم لن تطيقوا معرفة حقائق ذلك والقيام به، ولن تتمكنوا ضبط مقادير الليل والنهار ولا إحصاء الساعات، أو علم الله أنكم لن تطيقوا قيام الليل أو الفرض الذي أوجبه عليكم، فعاد عليكم بالعفو والترخيص في ترك القيام إذ عجزتم، ورجع بكم من العسر إلى اليسر. وأصل التوبة: الرجوع.
قال مقاتل: لما نزلت قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا شقّ ذلك عليهم، وكان الرجل لا يدري متى نصف الليل من ثلثه، فيقوم حتى يصبح مخافة أن يخطئ، فانتفخت أقدامهم، وامتقعت ألوانهم، فرحمهم الله وخفف عنهم، فقال تعالى:
عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ «١». والمراد بقوله: لَنْ تُحْصُوهُ أي لن تطيقوه: لصعوبة الأمر، لا أنهم لا يقدرون عليه.
فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ أي صلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل، فالمراد بالقراءة الصلاة، من إطلاق الجزء وإرادة الكل، كما تقدم بيانه.
وهذه الآية نسخت قيام الليل، ويؤكده
الحديث الصحيح عند مسلم والنسائي والترمذي واللفظ له عن أنس بن مالك الذي فيه قال السائل لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: هل عليّ غيرها؟ يعني الصلوات الخمس، فقال: «لا، إلا أن تطوّع»
فهو يدل على عدم وجوب غير تلك الصلوات المفروضة، فارتفع بهذا وجوب قيام الليل وصلاته عن الأمة.
ثم ذكر الله تعالى أسباب التخفيف وأعذاره أو حكمته قائلا:
عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي علم الله عز وجل بطروء أعذار ثلاثة هي المرض والسفر والجهاد، فقد يكون منكم مرضى لا يطيقون قيام الليل، وآخرون يسافرون في الأرض للتجارة والربح، يطلبون من رزق الله ما يحتاجون إليه في معاشهم، فلا يطيقون قيام الليل، وقوم آخرون هم المجاهدون في سبيل الله لا يطيقون قيام الليل، فوجود هذه الأعذار المقتضية للترخيص سبب لرفع فرضية التهجد عن جميع الأمة.
ثم ذكر الحكم الدائم بعد الترخيص، فقال تعالى:
فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً أي فصلوا ما تيسر واقرؤوا ما تيسر من القرآن، وقد أعيد الأمر هنا لتأكيد الرخصة وتقريرها، وأدوا الصلاة المفروضة قائمة بفروضها وأركانها وشرائطها واحتضار الخشوع فيها دون غفلة عنها، وآتوا الزكاة الواجبة في الأموال، وأنفقوا في سبيل الخير من أموالكم إنفاقا حسنا على الأهل وفي الجهاد وعلى المحتاجين، كما قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً، فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [البقرة ٢/ ٢٤٥].
ثم أكّد الطلب على الصدقة ورغّب فيها، فقال:
وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً أي وجميع ما تقدموه من الخير المذكور وغير المذكور، فثوابه حاصل لكم، وهو خير مما أبقيتموه لأنفسكم في الدنيا، ومما تؤخرونه إلى عند الموت، أو توصون به ليخرج من التركة بعد موتكم.
أخرج البخاري والنسائي وأبو يعلى الموصلي عن الحارث بن سويد قال:
قال عبد الله بن مسعود: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه؟ قالوا: يا رسول الله: ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: اعلموا ما تقولون، قالوا: ما نعلم إلا ذلك يا رسول الله، قال: إنما مال أحدكم ما قدّم، ومال وارثه ما أخّر».
ثم ختم السورة بالأمر بالاستغفار فقال:
وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي أكثروا من الاستغفار لذنوبكم وفي أموركم كلها، فإنكم لا تخلون من ذنوب اقترفتموها، وإن الله كثير المغفرة لمن استغفره، كثير الرحمة لمن استرحمه.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١- كل ما جاء في سورة المزمل وفي آياتها عظة للمتعظ، فمن أراد أن يؤمن ويتخذ إيمانه وطاعته طريقا إلى رضا ربه ورحمته، فليرغب وليفعل، فذلك ممكن له لأنه تعالى أظهر له الحجج والدلائل.
٢- قام النبي صلّى الله عليه وسلّم وصحابته بما أمروا به من قيام الليل في أول السورة:
قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ ثم نسخت فرضية القيام بهذا المقدار الثقيل بآخر السورة في قوله تعالى:
| إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ | وكان النسخ بإيجاب الصلوات الخمس. |
في حق الأمة، وبقيت الفريضة في حق النبي صلّى الله عليه وسلّم. وقيل: نسخ التقدير بمقدار، وبقي أصل الوجوب، كقوله تعالى: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة ٢/ ١٩٦] فالهدي لا بد منه، كذلك لم يكن بدّ من صلاة الليل، ولكن فوّض قدره إلى اختيار المصلي. وهذا مذهب الحسن. ومذهب الشافعي: النسخ بالكلية، فلا تجب صلاة الليل أصلا.
٤- أمر الله بقراءة ما تيسر من القرآن، والمراد من هذه القراءة: الصلاة لأن القراءة أحد أجزاء الصلاة، فأطلق اسم الجزء على الكل، أي فصلوا ما تيسر لكم، والصلاة تسمى قرآنا، كقوله تعالى: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ [الإسراء ١٧/ ٧٨] قال ابن العربي: وهو الأصح لأنه عن الصلاة أخبر، وإليها يرجع القول.
وقيل: المراد القراءة نفسها، أي فاقرؤوا فيما تصلونه بالليل ما خفف عنكم.
قال السدّي: مائة آية، وقال الحسن: من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجّه القرآن.
وقال كعب: من قرأ في ليلة مائة آية كتب من القانتين. وقال سعيد بن المسيب: خمسون آية. قال القرطبي: قول كعب أصح
لما أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمئة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين»
أي أعطي من الأجر قنطارا.
وصحح القرطبي القول الثاني حملا للخطاب على ظاهر اللفظ، والقول الآخر مجاز، فإنه من تسمية الشيء ببعض ما هو من أعماله.
٥- أبان الله تعالى حكمة هذا النسخ، وذكر علة تخفيف قيام الليل فإن الخلق منهم المريض، ويشق عليه قيام الليل، والمسافر في التجارات قد لا يطيق قيام الليل، وكذلك المجاهد، فخفف الله عن الكل لأجل هؤلاء.
٦- سوى الله تعالى في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين المال
الحلال للنفقة على نفسه وعياله، فكان هذا دليلا على أن كسب المال بمنزلة الجهاد لأنه جمعه مع الجهاد في سبيل الله.
روى إبراهيم عن علقمة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما من جالب يجلب طعاما من بلد إلى بلد، فيبيعه بسعر يومه إلا كانت منزلته عند الله منزلة الشهداء» ثم قرأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ، وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
٧- إذا كان المراد من آية فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ هو القراءة في الصلاة عملا بظاهر اللفظ، فاختلف العلماء في قدر ما يلزمه أن يقرأ في الصلاة.
فقال مالك والشافعي وأحمد: فاتحة الكتاب لا يجزئ العدول عنها، ولا الاقتصار على بعضها
لما رواه السبعة عن عبادة بن الصامت أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»
وظاهر النفي انعدام الصلاة الشرعية لعدم قراءة الفاتحة فيها. ورويت أحاديث كثيرة في معنى ذلك.
وقال أبو حنيفة: الفرض مطلق قراءة، وهو آية واحدة طويلة من القرآن، أو ثلاث آيات قصار لأنها أقل سورة. ودليله
ما ثبت في الصحيحين من حديث المسيء صلاته عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال له: «اقرأ ما تيسر معك من القرآن»
فلو كانت الفاتحة بخصوصها ركنا لعيّنها وعلمه إياها إن كان يجهلها،
وما روى أبو داود عن أبي هريرة من قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا صلاة إلا بقرآن، ولو بفاتحة الكتاب»
فإنه ظاهر في عدم تعين الفاتحة.
٨- أوجب الله تعالى إقامة الصلاة المفروضة وهي الخمس لوقتها، وإيتاء الزكاة الواجبة في الأموال. والمراد من الصلاة: ما كان مفروضا في النهار أول الأمر «ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي» والمراد بالزكاة: زكاة المال المفروضة التي فرضت في السنة الخامسة من البعثة على الراجح.
٩- حث الله تعالى على القرض الحسن: وهو ما قصد به وجه الله تعالى خالصا من المال الطيب. وذلك إشارة أيضا إلى صدقة التطوع.
١٠- أي عمل يقدمه العبد في الدنيا يبتغي به منفعته في الآخرة، سواء أكان متعلقا بالمال أم بغيره، فإنه يلقى به عند ربه جزاء أحسن منه وأكثر نفعا لإعطائه بالحسنة عشرا. وهذا حث على الإنفاق مطلقا.
١١- طلب الله تعالى من عباده مداومة الاستغفار مما عسى أن يقع في الأعمال من الخلل أو التقصير، ووعد سبحانه بالرحمة والمغفرة لمن يلجأ إلى جنابه الكريم، إذ أخبر بأنه عظيم المغفرة واسع الرحمة. وهذا تحريض على الاستغفار في جميع الأحوال، وإن كانت طاعات، لما عسى أن يقع فيها من تفريط.
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة المدثرمكيّة، وهي ست وخمسون آية.
تسميتها:
سميت سورة المدّثر لافتتاحها بهذا الوصف الذي وصف به النبي صلّى الله عليه وسلّم، وأصل المدثر المتدثر: وهو الذي يتدثر بثيابه لينام أو ليستدفئ. والدثار: اسم لما يتدثر به.
مناسبتها لما قبلها:
صلة السورة بما قبلها من وجوه ثلاثة هي:
١- تتفق السورتان في الافتتاح بنداء النبي صلّى الله عليه وسلّم.
٢- صدر كلتيهما نازل في قصة واحدة. وقد نزلت المدثر عقب المزمّل.
٣- بدئت السورة السابقة بالأمر بقيام الليل (التهجد) وهو إعداد لنفسه ليكون داعية، وبدئت هذه السورة بالأمر بإنذار غيره، وهو إفادة لسواه في دعوته.
ما اشتملت عليه السورة:
تضمنت السورة إرشادات للنبي صلّى الله عليه وسلّم في بدء دعوته، وتهديدات لزعيم من زعماء الشرك، وأوصاف جهنم. صفحة رقم 215
بدأت السورة بتكليف النبي صلّى الله عليه وسلّم بالقيام بالدعوة إلى ربه، وإنذار الكفار، والصبر على أذى الفجار: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ.. [الآيات: ١- ٧].
ثم وصفت يوم القيامة الرهيب الشديد، لما فيه من الأهوال: فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ.. [الآيات: ٨- ١٠].
ثم انطلقت تهدد إنسانا في أقوى وأشد صور التهديد، وهو الوليد بن المغيرة الذي أقر بأن القرآن كلام الله تعالى، ثم من أجل الزعامة والرياسة، زعم أنه سحر، فاستحق النار: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً.. [الآيات: ١١- ٢٦].
وناسب ذلك تعداد أوصاف النار، وعدد خزنتها وحكمة ذلك، وبروزها للناس: وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ.. [الآيات: ٢٧- ٣١].
وزاد الأمر تهويلا قسم الله بالقمر والليل والصبح على أن جهنم إحدى الدواهي العظام: كَلَّا وَالْقَمَرِ.. [الآيات: ٣٢- ٣٧].
وأوضحت السورة مسئولية كل نفس بما كسبت وتعلقها بأوزارها، وبشارة المؤمنين بالنجاة، والكفار بالعذاب، وتصوير ما يجري من حوار بين الفريقين:
كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ.. [الآيات: ٣٨- ٤٨].
وختمت السورة ببيان سبب إعراض المشركين عن العظة والتذكر والإيمان:
فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ.. [الآيات: ٤٩- ٥٦].
فضلها:
ثبت في صحيح البخاري عن جابر أنه كان يقول: أول شيء نزل من القرآن: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ وخالفه الجمهور، فذهبوا إلى أن أول القرآن نزولا قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [القلم ٩٦/ ١].
سبب نزولها:
أخرج البخاري عن جابر بن عبد الله قال: حدثنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: «جاورت بحراء، فلما قضيت جواري، هبطت، فنوديت، فنظرت عن يميني، فلم أر شيئا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا، ونظرت أمامي فلم أر شيئا، ونظرت خلفي فلم أر شيئا، فرفعت رأسي، فرأيت شيئا، فأتيت خديجة، فقلت: دثّروني، وصبّوا عليّ ماء باردا، قال: فدثّروني وصبوا علي ماء باردا، فنزلت: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ».
ورواه مسلم بلفظ آخر يدل على أن أول ما نزل: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [القلم ٩٦/ ١- ٥].
ووجه الجمع بين الرأيين: أن أول شيء نزل بعد فترة الوحي هذه السورة، كما
قال الإمام أحمد والشيخان عن جابر أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ثم فتر الوحي عن فترة، فبينا أنا أمشي، سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصري قبل السماء، فإذا الملك الذي جاءني قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجثثت- فزعت- منه فرقا- أي خوفا-، حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي، فقلت لهم: زمّلوني زمّلوني، فزمّلوني، فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ثم حمي الوحي وتتابع».
وأخرج الطبراني «١» عن ابن عباس قال: إن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعاما، فلما أكلوا منه قال: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم: ساحر، وقال بعضهم: ليس بساحر، وقال بعضهم: كاهن، وقال بعضهم: ليس
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي