إِنَّ لَكَ فِي النهار سَبْحَاً طَوِيلاً قرأ الجمهور : سبحاً بالحاء المهملة : أي تصرفاً في حوائجك، وإقبالاً وإدباراً، وذهاباً ومجيئاً. والسبح : الجري والدوران، ومنه السباحة في الماء لتقلبه ببدنه ورجليه، وفرس سابح : أي شديد الجري. وقيل : السبح الفراغ : أي إن لك فراغاً بالنهار للحاجات، فصلّ بالليل. قال ابن قتيبة : أي تصرّفاً، وإقبالاً وإدباراً في حوائجك وأشغالك. وقال الخليل : إن لك في النهار سبحاً : أي نوماً، والتسبح التمدّد. قال الزجاج : المعنى إن فاتك في الليل شيء فلك في النهار فراغ للاستدراك. وقرأ يحيى بن يعمر وأبو وائل وابن أبي عبلة :«سبخاً » بالخاء المعجمة. قيل : ومعنى هذه القراءة : الخفة والسعة والاستراحة. قال الأصمعي : يقال : سبخ الله عنك الحمى : أي خففها، وسبخ الحرّ فتر وخفّ، ومنه قول الشاعر :
| فسبخ عليك الهمّ واعلم بأنه | إذا قدّر الرحمن شيئًا فكائن |
| فأرسلوهنّ يذرين التراب كما | تذري سبائخ قطن ندف أوتار |
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم ومحمد بن نصر والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : لما نزلت أوّل المزمل كانوا يقومون نحواً من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرها، وكان بين أوّلها وآخرها نحو من سنة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن نصر عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : لما نزلت يا أيها المزمل قاموا حولاً حتى ورمت أقدامهم وسوقهم حتى نزلت فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ [ المزمل : ٢٠ ] فاستراح الناس. وأخرج أبو داود في ناسخه وابن نصر وابن مردويه والبيهقي في سننه من طريق عكرمة عن ابن عباس قال : في المزمل : قُمِ الليل إِلاَّ قَلِيلاً نّصْفَهُ نسختها الآية التي فيها : عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرءان [ المزمل : ٢٠ ] وناشئة الليل أوّله كان صلاتهم أوّل الليل، يقول : هذا أجدر أن تحصوا ما فرض الله عليكم من قيام الليل، وذلك أن الإنسان إذا نام لم يدر متى يستيقظ، وقوله : أَقْوَمُ قِيلاً هو أجدر أن يفقه قراءة القرآن، وقوله : إِنَّ لَكَ فِي النهار سَبْحَاً طَوِيلاً يقول : فراغاً طويلاً. وأخرج الحاكم وصححه عنه في قوله : يأَيُّهَا المزمل قال : زملت هذا الأمر فقم به. وأخرج ابن المنذر عنه في الآية أيضاً قال : يتزمل بالثياب. وأخرج الفريابي عن أبي صالح عنه أيضاً : وَرَتّلِ القرءان تَرْتِيلاً قال : تقرأ آيتين ثلاثاً ثم تقطع لا تهدر. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن منيع في مسنده وابن المنذر وابن أبي حاتم ومحمد بن نصر عنه أيضاً : وَرَتّلِ القرءان تَرْتِيلاً قال : بيّنه تبييناً. وأخرج العسكري في المواعظ عن عليّ بن أبي طالب مرفوعاً نحوه. وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن نصر والحاكم وصححه عن عائشة :«أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها، فما تستطيع أن تتحرّك حتى يسرّي عنه، وتلت إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ». وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن نصر والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله : إِنَّ نَاشِئَةَ الليل قال : قيام الليل بلسان الحبشة إذا قام الرجل قالوا : نشأ. وأخرج البيهقي عنه قال : نَاشِئَةَ الليل أوّله. وأخرج ابن المنذر وابن نصر عنه أيضاً قال : الليل كله ناشئة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال : نَاشِئَةَ الليل بالحبشة قيام الليل. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن نصر والبيهقي في سننه عن أنس بن مالك قال : نَاشِئَةَ الليل ما بين المغرب والعشاء. وأخرج عبد بن حميد وابن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم في الكنى عن ابن عباس في قوله : إِنَّ لَكَ فِي النهار سَبْحَاً طَوِيلاً قال : السبح الفراغ للحاجة والنوم. وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن عائشة قالت : لما نزلت : وَذَرْنِي والمكذبين أُوْلِي النعمة وَمَهّلْهُمْ قَلِيلاً لم يكن إلاّ يسيراً حتى كانت وقعة بدر. وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً قال : قيوداً. وأخرج عبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس : وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ قال : شجرة الزقوم. وأخرج الحاكم وصححه عنه في قوله : كَثِيباً مَّهِيلاً قال : المهيل الذي إذا أخذت منه شيئًا تبعك آخره. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً كَثِيباً مَّهِيلاً قال : الرمل السائل، وفي قوله : أَخْذاً وَبِيلاً قال : شديداً. وأخرج الطبراني وابن مردويه عنه أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ يَجْعَلُ الولدان شِيباً قال :«ذلك يوم القيامة، وذلك يوم يقول الله لآدم : قم فابعث من ذريتك بعثاً إلى النار، قال : من كم يا ربّ ؟ قال : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين وينجو واحد، فاشتدّ ذلك على المسلمين، فقال حين أبصر ذلك في وجوههم : إن بني آدم كثير، وإن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، إنه لا يموت رجل منهم حتى يرثه لصلبه ألف رجل، ففيهم وفي أشباههم جنة لكم». وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود نحوه بأخصر منه. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله : السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ قال : ممتلئة بلسان الحبشة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال : مثقلة موقرة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في الآية قال : يعني : تشقق السماء.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني