ﭑﭒﭓﭔ

ثم تدل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب لكن لا يجوز عن وقت الحاجة وجملة لا تحرك به لسانك معترضة على طريقة من يتكلم فطفق المخاطب يتكلم ويقطع كلامه فقال اسكت ولا تقطع الحديث انما لك حق التكلم بعد تمام الاستماع ثم عاد الى ما كان يتكلم فيه فقال.
كَلَّا ردع على انكار البعث او الفجور امامه او على الغاء المعاذير الباطلة بَلْ تُحِبُّونَ الضمير راجع الى الإنسان المذكور سابقا وجمع الضمير نظرا الى المعنى لان المراد به الجنس او الذي الكلام فيه ومن فى معناه الْعاجِلَةَ يعنى الدنيا وشهواتها.
وَتَذَرُونَ اى الإنسان على ما مر هذا على قراءة ابن كثير وابو عمرو وابن عامر بالياء للغيبة فيهما وقرأ الكوفيون ونافع بالتاء على الخطاب فيهما على طريقه الالتفات من الغيبة الى الخطاب الْآخِرَةَ ط وتعميمها يعنى انهم لا يعلمون ان الله تعالى لا يقدر على البعث والاعادة او ان معاذيره ينفعهم بل يحبون العاجلة ويتبعون الشهوات الدنيا فاعمى الشهوات بأبصارهم وأعمه قلوبهم ويذرون الاخرة ثم ذكر احوال الاخرة فقال.
وُجُوهٌ مبتداء اما معترضة بتقدير الاضافة اى وجوه المؤمنين المقربين واما نكرة مخصصة بصفة مقدرة اى وجوه كثير او وجوه منهم اى من جنس الإنسان الذي مر ذكره يَوْمَئِذٍ ظرف لما بعده يعنى يوم إذا كان ما سبق من برق البصر وغيره او يوم إذا كانت الاخرة ناضِرَةٌ خبر ناعمة حسنة متهللة.
إِلى رَبِّها متعلق بما بعده ناظِرَةٌ ج بروية البصر بلا كيف ولا جهة ولا ثبوت مسافة ولا بقياس الغائب على الشاهد خبر ثان لوجوه واخرج الآجري والبيهقي فى كتاب الروية من طريقين عن ابن عباس قال وجوه يومئذ ناضرة قال حسنة الى ربها ناظرة نظرة الى الخالق واخرجوا عن الحسن نحوه وعن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ان ادنى اهل الجنة منزلة من ينظر ال جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة الف سنة وأكرمهم على الله من ينظر الى وجه غدوة وعشية ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة رواه احمد والترمذي والدار قطنى واللالكائى والآجري نحوه وفى لفظ الآجري ادنى اهل الجنة منزلة من ينظر فى ملكه مسيرة الفى عام يرى أقصاه كما يرى أدناه وفى الباب حديث انس رواه البزار والطبراني والبيهقي وابو يعلى بطوله وفيه يوم الجمعة يزداد فيها نظرا الى وجهه تعالى ولذلك دعى يوم المزيد رواه البزار والاصفهانى عن نحوه واخرج الآجري

صفحة رقم 140

عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال ان اهل الجنة يرون ربهم كل جمعة وعن الحسن مرسلا قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ان اهل الجنة ينظرون الى ربهم كل جمعة الحديث أخرجه يحى بن سلام وعن انس مرفوعا قال الله تعالى من سلبت كريميته جزائه الحلول فى دارى والنظر الى وجهى رواه الطبراني وغيره وحديث جرير البجلي قال كنا جلوسا عند النبي ﷺ إذ نظر الى القمر ليلة البدر فقال انكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر ليلة البدر لا تضامون فى روية فان استطعتم ان لا تغلبوا على صلوة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها متفق عليه وكذا روى اللالكائى عن حذيفة وفى الصحيحين عن ابى هريرة نحوه وعن زيد بن ثابت قال كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يدعو اللهم انى أسئلك برد العيش بعد الموت ولذة النظر الى وجهك والشوق الى لقائك فى غير ضرار مضرة ولا فتنة مضلة رواه اللالكائى وعن عبادة بن صامت لن ترون ربكم حتى تموتون رواه الدار قطنى وكذا رواه اللالكائى عن ابى هريرة واخرج ابو نعيم فى الحلية عن ابن عباس قال تلا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم رب أرني انظر إليك قال قال الله تعالى يا موسى انه لا يرانى حتى الا مات ولا يابس الا تدهده ولا رطب الا تغرق وانما يرانى اهل الجنة لا تموت أعينهم ولا تبلى أجسادهم وعن على فى قوله تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا قال من أراد ان ينظر الى خالقه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك به أحدا رواه البيهقي وبالجملة صح تفسير هذه الاية وتفسير قوله تعالى لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وزيادة وقوله تعالى ولدينا مزيد وغيره من الآيات بروية الله تعالى مسندة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم وأصحابه والتابعين بحيث بلغت مبلغ التواتر عند اهل الحديث كذا ذكر السيوطي وغيره وبما ذكرنا فى هذا المقام كفاية ونذكر فى تفسير كل اية منها ما يتعلق به ان شاء الله تعالى وعلى روية الله تعالى انعقد اجماع اهل السنة والجماعة وخالفهم اهل الهواء من المعتزلة والخوارج وغيرهم بامتناعها زعما منهم بانها تتوقف على كون المرئي حسما كثيفا بلا حجاب وكون المسافة بين الرائي والمرئي متوسطة لا فى غاية القرب ولا فى غاية البعد وخروج شعاع البصر من الرائي ووصوله الى المرئي المقتضى ثبوت الجهة له تعالى واستدلوا على امتناع الروية من المنقول بقوله تعالى لا تدركه الابصار وقالوا تاويل هذه الاية ان ناظرة بمعنى منتظرة امر ربها وانعامه ويابى عنه العربية فان الانتظار يتعدى باللام دون الى

صفحة رقم 141

والنظر بالبصر يعدى بالى وقال اهل السنة الروية لا تتوقف الا على كون المرئي موجود او كذلك فى جانب الرائي لا يشترط الا الوجود والحيوة والعلم والابصار واما توقف الروية على غير ذلك من الشرائط فامر عادى فى خصوص المادة ولا يجوز قياس
الغائب على الشاهد ولا شك ان الله سبحانه تعالى يرى خلقه من الماديات والمجردات من غير مسافة بينهما ولا خروج شعاع وهو السميع البصير كيف ينكر كونه مرئيا بعد ما نطق به البشير النذير وقوله تعالى لا تدركه الابصار انما ينفى الدرك وهو يقتضى الإحاطة وحصول العلم بكنهه وذلك محال واما العلم الحضوري بالكنه بمعنى حضور كنه المعلوم عند العالم فليس بمحال لكنه متعال عن درك الابصار والله تعالى اعلم- (فائدة) هذه الاية تدل على انهم يرون الله تعالى دائما مستمرا لا ينقطع رويتهم كما يدل على دوام النضرة لهم ابدا فان الجملة الاسمية للدوام والاستمرار ولا منافاة بينها وبين ما ثبت بالأحاديث ان من الناس من يرى الله تعالى كل جمعة ومنهم من يرى الله تعالى فى كل جمعة اى أسبوع مرتين كذا احرج ابن ابى الدنيا عن ابى امامة ومنهم من يرى ربه فى مقدار كل عيد لهم فى الدنيا يعنى فى كل سنة مرتين كذا روى يحى بن سلام عن ابى بكر بن عبد الله المزني ومنهم من يرى فى كل يوم مرتين غدوة وعشية كما مر من حديث ابن عمر لان ثبوت دوام الروية انما هو لجمع منكر وهى لا تدل على العموم او بقدر ما هو أخص من المؤمنين فيقدر المقربين فتقديره وجوه المقربين يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة دائما ابدا اخرج ابو نعيم عن ابى يزيد البسطامي قال ان لله تعالى خواص من عباده لو حجبهم فى الجنة عن روية لاستغاثوا كما يستغيث اهل النار بالخروج من النار فظهر ان الناس فى الروية على درجات لا تكاد تحصى وليس المقصود من الأحاديث استيفاء درجاتهم ومعنى قوله صلى الله عليه واله وسلم أكرمهم على الله من ينظر الى وجهه غدوة وعشية انهم من أكرمهم وهذا لا يقتضى ان لا يكون أحد أكرم منهم وإذا تقرر هذا فاعلم ان الذين يدومون النظر الى الله سبحانه والله تعالى اعلم بهم هم الأنبياء والمقربون من العباد الواصلين الى الذات المجرد عن الشيون والاعتبارات الذين كان حظهم فى دار الدنيا من الذات التجلي الدائمى لا كالبرق الخاطف لان من كان حظه فى دار الدنيا دوام التجلي ولم يكن له الروية فى الدنيا لعدم صلاحيته تعين هذه النشأة الروية كما أشير اليه فى حديث ابن عباس عند ابى نعيم فى الحلية فاذا زال المانع فلا جرم ينظر ذلك الرجل الى الله

صفحة رقم 142

دائما وإلا لزم انعكاس الأمر ورجوعه القهقرى ومن لم يكن فى الدنيا دوام التجلي والحضوري فيكون الروية لهم على تفاوت الدرجات فمن كان حظه تجليا برقيا يرى فى كل يوم مرتين او مرارا ومن لم يكن كذلك ففى كل جمعة او شهر او سنة على ما شاء الله- (فائدة) قال المجدد رضى الله تعالى عنه فى المكتوب المائة من المجلد الثالث فى تحقيق سر اشتغال قلب يعقوب عليه السلام بمحبة يوسف عليه السلام مع ان قلوب الخواص من الناس تكون فارغة عن حب غير الله تعالى ان جنة كل رجل عبارة عن ظهور اسم من اسماء الله تعالى الذي هو مبدأ التعين ذلك الرجل وان ذلك الاسم يتجلى بصورة الأشجار والأنهار والقصور والحور والغلمان واستحكم هذا المكشوف بقوله صلى الله عليه واله وسلم ان الجنة طيبة التربة عذبة اى أنهارها قيغان وان غراسها هذه يعنى سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر ثم قال المجدد رضى الله تعالى عنه ان تلك الأشجار والأنهار قد تصير فى حين من الأحيان على هيئة الاجرام الزجاجة فتصير وسيلة الى روية الله سبحانه غير متكيفة ثم تعود الى حالها الذي كانت عليه فيشتغل المؤمن بنفسها وهكذا الى ابد الآبدين وقال كما ان التجلي الذاتي للصوفى فى الدار الدنيا تكون من وراء حجب الأسماء او الصفات وقد يرتفع تلك الحجب فيحصل له التجلي الذاتي كالبرق الخاطف كذلك حال الروية فى الاخرة لكل رجل يتعلق بذات الله سبحانه وتعالى باعتبار اسم هو مبدأ الجنة وتجلى وتمثل لجنة وتلك الروية تكون كالبرق الخاطف فى زمان يسير ثم تحجب عنه ويبقى نوره وبركته من وراء نعيم الجنة وأشجارها قلت هذا تحقيق روية العوام من اهل الجنة واما الخواص منهم فلما كان التجلي لهم فى الدنيا دائما فكذلك الروية تكون لهم دائما فان قيل قال المفسرون تقديم
الجار والمجرور فى قوله تعالى الى ربها ناظرة يقتضى الحصر ويفيد انهم إذا أراد ربهم يستغرقون فى رويته تعالى لا ينظرون حينئذ الى غيره ويؤيده حديث جابر رض قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم اهل الجنة فى نعيمهم إذ سطع عليهم نور فرفعوا رؤسهم فاذ الرب تبارك وتعالى قد اشرف عليهم من فوقهم فقال السلام عليكم يا اهل الجنة وذلك قوله تعالى سلام قولا من رب رحيم قال فينظر إليهم وينظرون اليه فلا يلتفتون الى شىء من النعيم ما داموا ينظرون اليه حتى يحجب عنهم ويبقى نوره وبركته فى ديارهم رواه ابن ماجة وابن ابى الدنيا والدار قطنى فحينئذ لو كان لبعض الناس دوام الروية فكيف يتصور الحصر وعدم الالتفات الى النعيم

صفحة رقم 143

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري

تحقيق

غلام نبي تونسي

الناشر مكتبة الرشدية - الباكستان
سنة النشر 1412
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية