تحجب عن رؤية ربها فلا تنظر إليه (١).
٢٦ - قال الله تعالى: كَلَّا قال أبو إسحاق: هو ردع وتنبيه (٢).
وقال مقاتل: (كلا) أي لا يؤمن الكافر بما ذكر من أمر القيامة (٣). ثم استأنف فقال: إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ، وهي جمع ترقوة، يعني: بلغت النفس أو الروح، أخبر عما لم يجر له ذكر لعلم المخاطب بذلك، كقوله تعالى: حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ [ص: ٣٢]، (قاله المبرد (٤)، وغيره (٥) (٦)، وكلهم (٧) قالوا: بلغت النفس التراقي. وهي جمع ترقوة، مثل عرقوة.
قال الليث: وهي عظم وصل بين ثغرة النحر والعاتق من الجانبين (٨)، ويكنى ببلوغ النفس التراقي عن الإشفاء على الموت، ومنه قول دُرَيْدِ بنِ الصِّمَّة:
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٥٤.
(٣) "تفسير مقاتل" ٢١٨/ ب، و"الرازي" ٣٠/ ٢٣٠، وانظر: "زاد المسير" ٨/ ١٣٩.
(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٥) قال بذلك: الثعلبي في "لكشف والبيان" ١٣: ٨/ ب، وإليه ذهب البغوي في "معالم التنزيل" ٤/ ٤٢٤، والزمخشري في "الكشاف" ٤/ ١٦٦، وابن الجوزي في "زاد المسير" ٨/ ١٣٩، والفخر الرازي في "التفسير الكبير" ٣٠/ ٢٣٠، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ١٠٩، والخازن في "لباب التأويل" ٤/ ٣٣٦.
(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٧) قال بذلك: الفراء في "معاني القرآن" ٣/ ٢١٢، والزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٥٤، والطبري، وعزاه إلى ابن زيد في "جامع البيان" ٢٩/ ١٩٤، والثعلبي في "الكشف والبيان" ١٣: ٨/ ب، وانظر أيضًا المراجع السابقة.
(٨) "تهذيب اللغة" ٩/ ٥٤: مادة: (ترق).
| ورب عظيمة دافعت عنها | وقد بلغت نفوسهم التراقي (١) |
(وقال الزجاج: ذكرهم الله صُعُوبة أول أيام الآخرة عند بلوغ النفس التَّرْقوة (٣)) (٤).
وقال الفراء: يقول إذا بلغت نفس الرجل عند الموت تراقيه، وقال من حوله: (من راق) (٥)، وهو قوله: وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧)، (راق) (٦): يجوز أن يكون من الرقية، يقال: رقاه يرقيه (رقية (٧)) (٨) إذا عوذه (٩) بما يشفيه كما يقال: (بسم الله أرقيك) (١٠).
(٢) "تفسير مقاتل" ٢١٨/ ب.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٥٤ بنصه، وفيه: (بصعوبة) بدلاً من: (صعوبة).
(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٥) "معاني القرآن" ٣/ ٢١٢ بنصه.
(٦) ساقطة من (أ).
(٧) الرُّقْيَة: العُوذة التي يُرْقَى بها صاحب الآفة كالحمى، والصرع، وغير ذلك من الآفات. "النهاية في غريب الحديث والأثر" ٢/ ٢٥٤: مادة: (رقى).
(٨) ساقط من (أ).
(٩) في (ع): عوذة.
(١٠) نص الحديث كما في "صحيح مسلم" أن جبريل أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا محمد اشتكيت؟ فقال: "نعم"، قال: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس، أو عين حاسد الله يشفيك باسم الله أرقيك. ٤/ ١٧١٨ - ١٧١٩: ح: ٤٠: كتاب السلام: باب الطب والمرض والرقى كما أخرج: الإمام أحمد في "المسند" ٣/ ٢٨ - ٥٦ - ٥٨ - ٧٥ - ١٥١، ٦/ ٣٣٢، وابن ماجه في "سننه" ٢/ ٢٨٤: =
ويجوز أن يكون من رقى يرقي رقيًّا (١)، ومنه قوله: وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ [الإسراء: ٩٣]، وكلا القولين قد ذكر في التفسير. قال أبو قلابة: هل من طبيب شاف (٢)؟.
وقال الكلبي: هل من طبيب يرقي (٣)؟ (وهو قول الضحاك (٤)، وعكرمة (٥)) (٦).
وقائل هذا القول من حول ذلك الإنسان أشفى (٧) على الموت، ومعنى هذا الاستفهام: يجوز أن يكون استفهامًا عن الذي يُرقى؛ كأنهم طلبوا له الرقية والشفاء. وهو معنى قول قتادة: التسموا له الأطباء، فلم
(١) الرقي: الصعود والارتفاع، يقال: رَقِيَ يَرْقَى رُقِيًّا، ورقَّى: شُدِّدَ للتعدية إلى المفعول. "النهاية في غريب الحديث والأثر" ٢/ ٢٥٦: مادة: (رقى).
(٢) "جامع البيان" ٢٩/ ١٩٤، و"النكت والعيون" ٦/ ١٥٧، و"المحرر الوجيز" ٥/ ٤٠٦، و"زاد المسير" ٨/ ١٣٩ بمعناه، "الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ١٠٩، و"البحر المحيط" ٨/ ٣٨٩، و"الدر المنثور" ٨/ ٣٦١ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٤) "جامع البيان" ٢٩/ ١٩٥، و"المحرر الوجيز" ٥/ ٤٠٦، و"زاد المسير" ٨/ ١٣٩، و"البحر المحيط" ٨/ ٣٨٩، و"تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٤٨١، و"الدر المنثور" ٨/ ٣٦١ وعزاه إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر.
(٥) ورد بمعناه في "جامع البيان" ٢٩/ ١٩٤، و"زاد المسير" ٨/ ١٣٩، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ١٠٩، و"البحر المحيط" ٨/ ٣٨٩، و"الدر المنثور" ٨/ ٣٦١.
(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٧) في (أ): أشفا.
يغنوا عنه من قضاء الله شيئًا (١). ويجوز أن يكون معناه الإنكار؛ لأن يكون له راقٍ يرقيه. قال أبو إسحاق: أي من يشفي من هذه الحالة، يقوله القائل عند البأس، أي من يقدر أن يَرْقِيَ من الموت (٢). القول الثاني: قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد: وقال ملك الموت: من يرقي هذه النفس الكافرة، كرهتها الملائكة أن يصعدوا بها إلى السماء، حتى يقول ملك الموت: يا فلان: اصعد بها (٣).
قال الكلبي: يحضر العبد عند الموت سبعة أملاك من ملائكة الرحمة، وسبعة أملاك من ملائكة العذاب مع ملك الموت، فإذا بلغت نفس العبد التراقي نظر بعضهم إلى بعض أيهم يرقى بروحه إلى السماء فهو قوله: (وقيل من راق) (٤).
وهذا قول مقاتل (٥)، وسليمان التيمي (٦)، (ورواية أبي الجوزاء عن ابن عباس) (٧).
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٥٤ بنحوه.
(٣) "التفسير الكبير" ٣٠/ ٢٣١.
(٤) المرجع السابق.
(٥) "معالم التنزيل" ٤/ ٤٢٤، و"المحرر الوجيز" ٥/ ٤٠٦، و"زاد المسير" ٨/ ١٣٩، ولم أعثر على قوله في "تفسيره".
(٦) انظر قوله في "معالم التنزيل" ٤/ ٤٢٤، و"المحرر الوجيز" ٥/ ٤٠٦، و"البحر المحيط" ٨/ ٣٨٩.
(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ). وانظر هذه الرواية في: "جامع البيان" ٢٩/ ١٩٥، و"الكشف والبيان" ١٣: ٩/ أ، و"النكت والعيون" ٦/ ١٥٨، و "زاد المسير" =
وذكرنا قديمًا (١): أن إظهار (النون) عند حروف (٢) الفم (٣) لحن غير جائز، فلا يجوز إظهار نون (من) في قوله: (مَنْ راقٍ).
وروى حفص عن عاصم: إظهار (النون)، و (٤) (اللام) في قوله: (من راق)، و (بل ران (٥)) (٦).
قال أبو علي الفارسي: ولا أعرف وجه ذلك (٧).
وسمعت شيخنا أبا الحسن الضرير النحوي -رحمه الله- يقول: إنما أظهر النون؛ لأنه خاف الالتباس تتابع المرق؛ لأنه يقال له: مراق، وأظهر اللام؛ لأنه خاف الالتباس بتثنية (بر) بمعنى الأرض الفضاء، وهذا
(١) لم أتوصل إلى موضعه من "التفسير البسيط".
(٢) في (أ): حرف.
(٣) حروف الفم المراد بها: اثنا عشر حرفًا: التاء، والثاء، والدال، والظاء، والذال، والطاء، والصاد، والضاد، والسين، والزاي، والراء، واللام. انظر: "المدخل" ٥٠٠.
(٤) في (أ): (في) بدلًا من الواو.
(٥) "الحجة" ٦/ ٣٤٦، وانظر كتاب (السبعة) ٦٦١، و"حجة القراءات" ٧٣٧، و"الكشف عن وجوه القراءات السبع" ٢/ ٥٥ - ٥٦ من سورة الكهف، و"المبسوط" ٩٧. وقرأ الباقون بالإدغام؛ لقرب النون من الراء. المراجع السابقة.
(٦) وكان حفص يقف على النون واللام وقفة خفيفة في وصله، ليبين إظهار اللام والنون؛ لأنهما ينقلبان في الوصل راء، فتصير مدغمة في الراء بعدها، ويذهب لفظ اللام والنون. انظر: "الكشف" ٢/ ٥٥، و"المبسوط" ٩٧.
(٧) "الحجة" ٦/ ٣٤٦.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي