أولى لَكَ فأولى * ثُمَّ أولى لَكَ فأولى أي وليك الويل، وأصله : أولاك الله ما تكرهه، واللام مزيدة كما في رَدِفَ لَكُم [ النمل : ٧٢ ]. وهذا تهديد شديد والتكرير للتأكيد : أي يتكرر عليك ذلك مرة بعد مرة. قال الواحدي : قال المفسرون : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد أبي جهل، ثم قال : أولى لَكَ فأولى فقال أبو جهل : بأيّ شيء تهدّدني لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئًا، وإني لأعزّ أهل هذا الوادي، فنزلت هذه الآية. وقيل معناه : الويل لك، ومنه قول الخنساء :
هممت بنفسي بعض الهمو *** م فأولى لنفسي أولى لها
وعلى القول بأنه الويل، قيل : هو من المقلوب كأنه قيل : أويل لك، ثم أخر الحرف المعتل. قيل : ومعنى التكرير لهذا اللفظ أربع مرات، والويل لك حياً، والويل لك ميتاً، والويل لك يوم البعث، والويل لك يوم تدخل النار. وقيل المعنى : إن الذمّ لك أولى لك من تركه. وقيل المعنى : أنت أولى وأجدر بهذا العذاب قاله ثعلب. وقال الأصمعي : أولى في كلام العرب معناه مقاربة الهلاك. قال المبرّد : كأنه يقول : قد وليت الهلاك وقد دانيته، وأصله من الولي، وهو القرب، وأنشد الفراء :
فأولى أن يكون لك الولاء ***. . .
أي قارب أن يكون لك، وأنشد أيضاً :
أولى لمن هاجت له أن يكمدا ***. . .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أَن يُتْرَكَ سُدًى قال : هملاً. وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري عن صالح أبي الخليل قال :«كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا قرأ هذه الآية أَلَيْسَ ذَلِكَ بقادر على أَن يُحْيِيَ الموتى قال : سبحانك اللَّهم، وبلى». وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب قال : لما نزلت هذه الآية أَلَيْسَ ذَلِكَ بقادر على أَن يُحْيِيَ الموتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«سبحانك ربي، وبلى». وأخرج ابن النجار في تاريخه عن أبي أمامة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند قراءته لهذه الآية :«بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين». وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«من قرأ منكم والتين والزيتون [ التين : ١ ] فانتهى إلى آخرها أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين [ التين : ٨ ] فليقل : بلى وأنا على ذلك من الشاهدين. ومن قرأ لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة [ القيامة : ١ ] فانتهى إلى قوله : أَلَيْسَ ذَلِكَ بقادر على أَن يُحْيِيَ الموتى فليقل : بلى، ومن قرأ : والمرسلات عُرْفاً [ المرسلات : ١ ] فبلغ فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [ الأعراف : ٨٥ ] فليقل : آمنا بالله». وفي إسناده رجل مجهول. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إذا قرأت لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة فبلغت أَلَيْسَ ذَلِكَ بقادر على أَن يُحْيِيَ الموتى فقل : بلى».
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني