حديث أبي بكر -رضي الله عنه- أنه مرَّ ببلال، وقد مُطِىَ في الشمس) (١)، أي: مد. وكل شيء مددته فقد مَطَوْتَه، ويتمطى معناه يتمدد) (٢). وقال الفراء (٣)، والزجاج (٤): هو من الْمَطَا، وهو الظهر، فيلوي ظهره تبخترًا.
القول [الثاني] (٥): أنه من المط، وهو المد أيضًا، والْمُطَيْطَاء (٦): التبختر ومد اليدين في المشي، والْمَطِيطَة: الماء الخاثر في أصل الحوض؛ لأنه يتمطط، أي: يتمدد. وهذا قول أبي عبيدة (٧)، وابن قتيبة (٨) في هذه الآية.
قال ابن قتيبة: وأصله (يتمطط) فقلبت (التاء) فيه (ياء) كما قيل: يَتَظَنَّى، ويَتَقَصَّى، قال: وأصل (الطاء) في هذا كله (قال) يقال: مططت ومددت (٩).
٣٤ - قوله تعالى: أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ قال جماعة المفسرين (١٠):
(٢) ما بين القوسين نقله الواحدي عن "تهذيب اللغة" ١٤/ ٤٣ (مطو)، وانظر (مطا): "الصحاح" ٦/ ٢٤٩٤، و"لسان العرب" ١٥/ ٢٨٤.
(٣) "معاني القرآن" ٣/ ٢١٢ واللفظ له.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٥٤.
(٥) في النسختين: الثالث، ولعله سهو.
(٦) في (ع): المطيطيا.
(٧) "مجاز القرآن" ٢/ ٢٧٨، وعبارته: جاء يمشي الْمُطيطا، وهو أن يلقي بيديه ويتكفأ.
(٨) "تفسير غريب القرآن" ٥٠١.
(٩) المرجع السابق بتصرف.
(١٠) قال بذلك مقاتل في "تفسيره" ٢١٨/ ب، وقتادة في: "تفسير عبد الرزاق" ٣/ ٣٣٥، و"جامع البيان" ٢٩/ ٢٠٠، وإليه ذهب: ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ٥٠١،=
هذا تهديد من الله لأبي جهل، ووعيد. وقد ذكرنا تفسير هذه الكلمة بمعنى: الوعيد، في سورة محمد -صلى الله عليه وسلم-. (١) والمعنى: (وَلِيَك المكروه يا أبا جهل) (٢).
قال قتادة (٣)، (والكلبي (٤) (٥)، ومقاتل (٦): أخذ رسول الله بيد أبي جهل، ثم قال: أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى، فقال أبو جهل: بأي شيء تهددني (٧)؟ لا تستطيع أنت وربك أن تفعلا بي شيئًا، وإني لأعز أهل الوادي، ثم انسل ذاهبًا، فأنزل الله كما قال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. ونحو ذلك قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالها لأبي جهل، ثم أنزلها الله (٨).
(١) سورة محمد: ٢، ومما جاء في تفسيرها: قال الواحدي: (ومعنى: أولى، أي وعيد لهم، من قولهم في التهديد: أولى لك وليك وقاربك ما يكره. وقال آخرون: أي وليهم المكروه. وقال غيرهم: أولى يقولها الرجل لآخر يحسره على ما فاته، ويقول له: يا محروم أي شيء فاتك. وقال صاحب النظم: أولى مأخوذ من الويل).
(٢) نقله عن الزجاج بنص العبارة. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٥٤.
(٣) ورد معنى قوله في "تفسير عبد الرزاق" ٢/ ٣٣٥، و"جامع البيان" ٢٩/ ٢٠٠، و"الكشف والبيان" ١٣: ١١/ أ، وانظر أيضًا قوله: في "معالم التزيل" ٤/ ٤٢٥، و"التفسير الكبير" ٣٠/ ٢٣٣، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ١١٣، و"لباب التأويل" ٤/ ٣٣٧، و"تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٤٨٢.
(٤) "النكت والعيون" ٦/ ١٥٩ بمعناه، و"التفسير الكبير" ٣٠/ ٢٣٣.
(٥) ساقطة من (أ).
(٦) "تفسير مقاتل" ٢١٨/ ب، المرجعان السابقان.
(٧) في (أ): توعدني.
(٨) "تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٤٨٢، وانظر: "مجمع الزوائد" ٧/ ١٣٢، وقال: رواه الطبراني: [١١/ ٤٥٨: ح: ١٢٢٩٨]، ورجاله ثقات.
قوله تعالى: أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ (١) قالوا (٢): يعني أبا جهل. أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣) هملاً، مهملاً، لا يؤمر، ولا ينهى، ولا يوعظ في الدنيا، ولا يحاسب بعمله في الآخرة. (والسدى معناه في اللغة: المهمل، يقال: أسدَيْت إبلي إسداءً أهملتها، والاسم: السُّدَى.. ذكر ذلك (أبو عبيد) (٤)، (عن أبي زيد) (٥)، والأشبه بالمعنى في سُدًى، أي: مهملًا لا يبعث. يدل عليه قوله في الدلالة على البعث: أَلَمْ يَكُ، أي: هذا الإنسان. نُطْفَةً، أي: ماءً قليلاً، يعني في ابتداء خلقه. مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى أي تصب في الرحم، وذكر الكلام في مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى عند قوله: مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) [النجم: ٤٦]، وقوله (٦): أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) [الواقعة: ٥٨]. وفي (يُمنى) قراءتان (٧): التاء، والياء، (فالتاء للنطفة على تقدير: ألم
(٢) في (أ): سدا.
(٣) أبو عبيدة، هكذا ورد في كلا النسختين، والصواب أنه أبو عبيد كما في "التهذيب".
(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٥) ما بين القوسين نقله الواحدي عن الأزهري. "تهذيب اللغة" ١٣/ ٤٠ (سدا).
(٦) بياض في (ع).
(٧) قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم في رواية أبي بكر، وحمزة، والكسائي: (مِنْ مني تمنى) على أن الضمير: للنطفة. وقرأ حفص، ويعقوب، وهشام بخلف عنه: بالياء (من مني يمنى) جعل الضمير عائدا على (مني) انظر كتاب السبعة: ٦٦٢، و"الحجة" ٦/ ٣٤٦، و"الكشف عن وجوه القراءات السبع" ٢/ ٣٥١، و"حجة القراءات" ٧٣٧، و"المبسوط" ٣٨٨، (المهذب) ٢/ ٣١٤.
تك نطفة، يمنى من المني. والياء) (١) للمني، كأنه: من مني يمنى، أي يقدر خلق الإنسان منه.
ثُمَّ كَانَ الإنسان عَلَقَةً بعد النطفة. فَخَلَقَ يعني: فنفخ فيه الروح، وسوّى خلقه. قاله ابن عباس (٢)، ومقاتل (٣). فَجَعَلَ مِنْهُ من الإنسان بعد ما سواه خلقًا سويًّا، خلق من مائه أولادًا (له) (٤)؛ ذكورًا، وإناثًا. وهو قوله: الزَّوْجَيْنِ يعني: الصنفين. ثم فسرهما فقال: الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى.
(قوله) (٥): أَلَيْسَ ذَلِكَ الذي فعل هذا. بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى، وهذا تقدير لهم أن (٦) من قدر على الابتداء قدر على البعث بعد الموت، وذلك إشارة إلى الفاعل المضمر في قوله: فَخَلَقَ فَسَوَّى وهو الله تعالى، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا قرأ هذه الآية قال: "سبحانك اللهم فبلى" (٧).
(٢) "التفسير الكبير" ٣٠/ ٢٣٤.
(٣) "تفسير مقاتل" ٢١٨/ ب، وانظر المرجع السابق.
(٤) ساقطة من (ع).
(٥) ساقطة من (ع).
(٦) في (أ): أي.
(٧) الحديث أخرجه: أبو داود ١/ ٢٢٥ - ٢٢٦: كتاب الصلاة: باب الدعاء في الصلاة، وباب مقدار الركوع والسجود من طريق أبي هريرة -رضي الله عنه- وغيره، والإمام أحمد في "المسند" ٢/ ٢٤٩، والحاكم ٢/ ٥١٠ في التفسير، سورة القيامة، وقال عنه: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي؛ وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٧/ ١٣٢، وقال: رواه أبو داود وغيره، ورواه أحمد وفيه رجلان لم أعرفهما. قال ابن حجر: رواية عن إسماعيل عند الحاكم يزيد بن عياض متروك، ولكن أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي من طريق سفيان بن عيينة عن إسماعيل، عن رجل، عن أبي هريرة، واختلف فيه على إسماعيل على أوجه =
وقال ابن عباس: إذا قرأت هذه السورة (فقلت) (١): أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠) [فقل] (٢): اللهم ربنا فبلى (٣). (والله أعلم بالصواب) (٤).
(١) ساقطة من (أ).
(٢) في كلا النسختين: فقال، ولا يستقيم المعنى بهما.
(٣) أخرجه الثعلبي في "الكشف والبيان" ١٢: ١١/ ب، وابن كثير في "تفسيره"، وساق إسناده: ٤/ ٤٨٢، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وزاد السيوطي في "الدر المنثور" ٨/ ٣٦٤: ابن المنذر.
(٤) ما بين القوسين ساقط من (ع).
المملكة العربية السعودية
وزارة التعليم العالي
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
عمادة البحث العلمي
سلسلة الرسائل الجامعية
-١١٥ -
التَّفْسيرُ البَسِيْط
لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي
(ت ٤٦٨ هـ)
من سورة الإنسان إلى سورة الفجر
تحقيق
د. نورة بنت عبد الله بن عبد العزيز الورثان
أشرف على طباعته وإخراجه
| د. عبد العزيز بن سطام آل سعود | أ. د. تركى بن سهو العتيبي |
المملكة العربية السعودية
وزارة التعليم العالي
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
عمادة البحث العلمي
سلسلة الرسائل الجامعية
-١١٥ -
التَّفْسيرُ البَسِيْط
لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي
(ت ٤٦٨ هـ)
من سورة الإنسان إلى سورة الفجر
تحقيق
د. نورة بنت عبد الله بن عبد العزيز الورثان
أشرف على طباعته وإخراجه
| د. عبد العزيز بن سطام آل سعود | أ. د. تركى بن سهو العتيبي |
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
الواحدي، على بن أحمد
التفسير البسيط لأبي الحسن على بن أحمد بن محمد
الواحدي (ت ٤٦٨ هـ)./ نورة بنت عبد الله بن عبد العزيز الورثان،
الرياض١٤٣٠ هـ.
٢٥مج. (سلسلة الرسائل الجامعية)
ردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)
٢ - ٨٨٠ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٢٣)
١ - القرآن تفسير... ٢ - الواحدي، على بن أحمد
أ- العنوان... ب- السلسة
ديوي ٢٢٧. ٣... ٨٦٨/ ١٤٣٠
رقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠ هـ
ردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)
٢ - ٨٨٠ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٢٣)
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي