ﮗﮘﮙﮚﮛﮜ

قوله : وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ العامة على نصبها، وفيها أوجه :
أحدها : أنها عطف على محل «لا يرون ».
الثاني : أنها معطوفة على «مُتَّكِئينَ » فيكون فيها ما فيها.
قال الزمخشري :«فإن قلت :» ودانية عليها ظلالها «علام عطفت ؟.
قلت : على الجملة التي قبلها ؛ لأنها في موضع الحال من المجزيين، وهذه حال مثلها عنهم لرجوع الضمير منها إليهم في «عليهم »، إلاَّ أنها اسم مفرد، وتلك جماعة في حكم مفرد، تقديره : غير رائين فيها شمساً، ولا زمهريراً ودانية عليهم ظلالها، ودخلت الواو للدلالة على أن الأمرين مجتمعان لهم، كأنه قيل : وجزاهم جنة جامعين فيها بين البعد عن الحر والقمر ودنو الظلال عليهم ».
الثالث : أنها صفة لمحذوف، أي : وجنة دانية.
قال أبو البقاء : كأنه قيل :«وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً » أي : أخرى دانية عليهم ظلالها، لأنهم قد وعدوا جنتين، لأنهم خافوا مقام ربهم بقولهم :«إنَّا نخَافُ مِن ربِّنا يَوماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ».
الرابع : أنها صفة ل «جنة » الملفوظ بها. قاله الزجاج.
وقال الفراء : نصب على المدحِ، أي : دانية عليهم، لقوله تعالى : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [ الرحمن : ٤٦ ].
وقرأ أبو حيوة١ :«ودانية » بالرفع، وفيها وجهان :
أظهرهما : أن يكون «ظلالها » مبتدأ، و «دانية » خبر مقدم، والجملة في موضع الحال.
قال الزمخشري :«والمعنى : لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً، والحال أن ظلالها دانية ».
والثاني : أن ترتفع «دانية » بالابتداء، و«ظلالها » فاعل به، وبها استدل الأخفش على جواز إعمال اسم الفاعل، وإن لم يعتمد، نحو «قائم الزيدون »، فإن «دانية » لم تعتمد على شيء مما ذكره النحويون، ومع ذلك فقد رفعت «ظلالها ».
وهذا لا حجة فيه لجواز أن يكون مبتدأ وخبراً مقدماً كما تقدم.
وقال أبو البقاء : وحكي بالجر، أي : في جنة دانية، وهو ضعيف، لأنه عطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار. يعني أنه قرئ شاذاً :«وَدانِيةٍ » بالجر على أنها صفة لمحذوف، ويكون حينئذٍ نسقاً على الضمير المجرور من قوله تعالى : لاَ يَرَوْنَ فِيهَا أي : ولا في جنة دانية، وهو رأي الكوفيين حيث يجوزون العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، ولذلك ضعفه، وتقدم الكلام على ذلك في البقرة.
وأما رفع «ظلالها » فيجوز أن يكون مبتدأ، و«عليهم » خبر مقدم، ولا يرتفع ب «دانية »، لأن «دنا » يتعدى ب «إلى » لا ب «على »، ويجوز أن ير فع ب «دانية » على أن يضمن معنى مشرفة ؛ لأن «دنا » و«أشرف » متقاربان، قال معناه أبو البقاء، وهذان الوجهان جاريان في قراءة من نصب «دانية ».
وقرأ الأعمش٢ :«ودانياً » بالتذكير، للفصل بين الوصف وبين مرفوعه ب «عليهم » أو لأن الجمع مذكر.
وقرأ أبيّ٣ :«ودَانٍ عَليْهِمْ » بالتذكير مرفوعاً، وهي شاذة. فمذهب الأخفش حيث يرفع باسم الفاعل وإن لم يعتمد، ولا جائز أن يعربا مبتدأ وخبراً لعدم المطابقة.
وقال مكي :«وقرئ » ودانياً «بالتذكير » ثم قال :«ويجوز :«ودانية » بالرفع، ويجوز «دانٍ » بالرفع والتذكير »، فلم يصرح بأنهما قرئا، وقد تقدم أنهما مقروء بهما، فكأنه لم يطلع على ذلك.

فصل في معنى الآية


قال المفسرون : معناه : أن ظل الأشجار في الجنة قريب من الأبرار فهي مظلة عليهم زيادة على نعيمهم.
قال ابن الخطيب٤ : فإن قيل : الظل إنما يوجد حيث توجد الشمس، وهناك لا شمس في الجنة، فكيف يحصل الظل ؟.
فالجواب : أن أشجار الجنَّة تكون بحيث لو كان هناك شمس لكانت الأشجار مظلة منها وإن كان لا شمس ولا قمر كما أن أمشاطهم الذهب والفضة، وإن كان لا وسخ ولا شعث. ثم قوله : وَذُلِّلَتْ يجوز أن يكون في موضع نصب على الحال عطفاً على دانية فيمن نصبها، أي : ومذللة، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في «عليهم » سواء نصبت «دانية » أو رفعتها، أو جررتها، ويجوز أن تكون مستأنفة.
وأما على قراءة رفع «ودانية » فتكون جملة فعلية عطفت على اسمية، ويجوز أن تكون حالاً كما تقدم.

فصل في تذليل قطوف الجنة


والمعنى : وسخرت لهم قطوفها، أي : ثمارها «تذليلاً » أي : تسخيراً، فيتناولها القائم والقاعد والمضطجع لا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك.
قال ابن قتيبة :«ذللت » أدنيت منهم، من قولهم : حائط ذليل إذا كان قصير السمك.
وقيل :«ذُلِّلَتْ » أي : جعلت منقادة لا تمتنع على قطافها كيف شاءوا.
قال البراءُ بن عازب رضي الله عنه : ذلّلت لهم، فهم يتناولون منها كيف شاءوا، فمن أكل قائماً لم يؤذه، ومن أكل جالساً لم يؤذه، ومن أكل مضطجعاً لم يؤذه٥.
وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : إذا همَّ يتناول من ثمارها تدلّت إليه حتى يتناول منها ما يريد٦.
وتذليل القطوف : تسهيل التناول، والقُطُوف : الثمار، الواحد : قِطْف - بكسر القاف - سمي به ؛ لأنه يقطف، كما سمي الجَنَى لأنه يُجْنَى.
قوله : تَذْلِيلاً تأكيد لما وصف به من الذل، كقوله تعالى : وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً [ الإسراء : ١٠٦ ] وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً [ النساء : ١٦٤ ].
قال الماوردي : ويحتمل أن تكون تذليل قطوفها أن تبرز لهم من أكمامها، وتخلص لهم من نواها وقال النحاس : ويقال : المذلل الذي قد ذلله الماء، أي : أرواه.
ويقال : المذلل : الذي يفيئه أدنى ريح لنعمته، ويقال : المسوى ؛ لأن أهل الحجاز يقولون : ذَلَّلْ نخلك، أي : سوِّه.
١ ينظر: البحر المحيط ٨/٣٨٨، والدر المصون ٦/٤٤٣..
٢ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٤١١، والبحر المحيط ٨/٣٨٨، والدر المصون ٦/٤٤٤..
٣ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٤١١-٤١٢، والبحر المحيط ٨/٣٨٨، والدر المصون ٦/٤٤٤..
٤ الفخر الرازي: ٣٠/٢٢٠..
٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٣٦٤) عن مجاهد مثله وأخرجه الحاكم (٢/٥١١): عن البراء وقال: صحيح على شرط الشخين ولم يخرجاه.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٨٦) وزاد نسبته إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد بن السري وعبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد" وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في "البعث"..

٦ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٩/٩١)..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية