ودانيةً : عطف على ( جنة )، أي : وجنة أخرى دانية عليهم ظِلالها ؛ قريبة منهم ظلال أشجارها ؛ قال الطيبي : إنما قال :( دانية عليهم ) ولم يقل " منهم " ؛ لأنَّ الظلال عالية عليهم. ه. فظلالها فاعل بدانية، كأنهم وُعدوا جنتين ؛ لأنهم وُصفوا بالخوف، وقد قال تعالى : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِهِ جَنَّتَانِ [ الرحمان : ٤٦ ]، وذللت قُطوفُها تذليلا أي : سُخَّرت ثمارها للقائم والقاعد، والمتكئ، وهو حال من " دانية " أي : تدنو عليهم ظلالها في حال تذليل قطوفها. وقال في الحاشية : جملة فعلية معطوفة على جملة ابتدائية ؛ وفيه لطيفة : أنَّ استدامة الظل مطلوبة هناك، وأمّا الذليل للقطْف فهو على التجدًّد شيئاً بعد شيء، كلما أرادوا أن يقطعوا شيئاً منها ذل لهم، ودنا لهم، قعوداً كانوا أو مضطجعين. ه. وظاهر كلامه : أنَّ " ظلالها " مبتدأ، و " عليهم " خبر، وظاهر كلام الطيبي : أنه فاعل. والقطوف : جمع قِطْف، وهو ما يجتنى من ثمارها.
وقال القشيري : لا يؤذيهم شمس المشاهدة ؛ لأنَّ سطوة الشهود ربما تفني صاحبها بالكلية، فيغلب عليه السُكْر، فلا يتنعّم بلذة الشهود، ولا زمهرير الحجاب والاستتار. هـ. باختصار. ودانية، أي : وجنة أخرى دانية، وهي جنة البقاء، والأُولى جنة الفناء، عليهم ظلالها، وهي روح الرضا ونسيم التسليم، وذُللت قُطوفها من الحِكَم والمواهب، تذليلاً، فمهما احتاجوا إلى علم أو حكمة أجالوا أفكارهم، فتأتيهم بطرائف العلوم وغرائب الحِكَم، ويُطاف عليهم بأواني الخمرة الأزلية، فيشربون منها في كل وقت وحين، كيف شاؤوا وحيث شاؤوا. جعلنا الله مِن حزبهم، آمين.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي