ﭑﭒﭓ

لا يؤمنون فيرجون الثواب ويخافون العقاب.
«وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً» «١» أي: تكذيبا.
«وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً» أي: كتبناه كتابا، وعلمناه علما.
والمسبّح الزاهد يحصى تسبيحه، والمهجور البائس يحصى أيام هجرانه، والذي هو صاحب وصال لا يتفرّغ من وصله إلى تذكّر أيامه في العدد، أو الطول والقصر.
والملائكة يحصون زلّات العاصين، ويكتبونها في صحائفهم. والحق سبحانه يقول:
«وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً» فكما أحصى زلّات العاصين وطاعات المطيعين فكذلك أحصى أيام هجران المهجورين وأيام محن الممتحنين، وإنّ لهم في ذلك لسلوة ونفسا:

ثمان قد مضين بلا تلاق وما في الصبر فضل عن ثمان
وكم من أقوام جاوزت أيام فترتهم الحدّ! وأربت أوقات هجرانهم على الحصر! قوله جل ذكره: «فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً» يا أيها المنعّمون في الجنة.. افرحوا وتمتعوا فلن نزيدكم إلا ثوابا.
أيها الكافرون.. احترقوا في النار.. ولن نزيدكم إلا عذابا «٢» ويا أيها المطيعون.. افرحوا وارتعوا فلن نزيدكم إلا فضلا على فضل.
يا أيها المساكين.. ابكوا واجزعوا فلن نزيدكم إلّا عزلا على عزل.
قوله جل ذكره:
[سورة النبإ (٧٨) : الآيات ٣١ الى ٣٨]
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (٣١) حَدائِقَ وَأَعْناباً (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْراباً (٣٣) وَكَأْساً دِهاقاً (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً (٣٥)
جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً (٣٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً (٣٨)
(١) فى «كِذَّاباً» يقول الفراء: هى لعة يمانية فسيحة يقولون: كذبت به كذابا وخرقت القميص خرّاقا.
فكل فعل في وزن (فعّل) مصدره فعال مشددة في لغتهم.
(٢) قال أبو برزة: سألت النبي (ص) عن أشد آية في القرآن فقال: قوله تعالى: «فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً» أي: «كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها» و «كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً».

صفحة رقم 678

مسلّم للمتقين ما وعدناهم به.. فهنيئا لهم ما أعددنا لهم من الفوز بالبغية والظّفر بالسّؤل والمنية: من حدائق وأعناب، ومن كواعب أتراب وغير ذلك.
فيا أيها المهيّمون المتيّمون هنيئا لكم ما أنتم فيه اليوم في سبيل مولاكم من تجرّد وفقر، وما كلّفكم به من توكل وصبر، وما تجرعتم من صدّ وهجر.
أحرى الملابس ما تلقى الحبيب به... يوم التزاور «١» فى الثوب الذي خلعا
قوله: «لا يَسْمَعُونَ فِيها... » آذانهم مصونة عن سماع الأغيار، وأبصارهم محفوظة عن ملاحظة الرسوم والآثار.
قوله جل ذكره: «رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً» وكيف تكون للمكوّن المخلوق الفقير المسكين مكنة أن يملك منه خطابا؟ أو يتنفّس بدونه نفسا؟ كلّا.. بل هو الله الواحد الجبّار.
قوله جل ذكره: «يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً» إنما تظهر الهيبة على العموم لأهل الجمع في ذلك اليوم، وأمّا الخواص وأصحاب الحضور فهم أبدا بمشهد العزّ بنعت الهيبة، لا نفس «٢» لهم ولا راحة أحاط بهم سرادقها واستولت عليهم حقائقها.

(١) هكذا في م وهي في ص (التزاول) وهي خطأ من الناسخ، والمقصود من النص الشعرى: أن الله يحب أن يرى على الفقراء ثياب التجرد لأنها الثياب التي خلعها عليهم بنفسه حينما آثروا حقه على حظوظهم.
(٢) هكذا في ص وهي في م (لا نفر لهم ولا فرحة) وربما كانت (فرجة) بالجيم.

صفحة رقم 679

تفسير القشيري

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري

تحقيق

إبراهيم البسيوني

الناشر الهيئة المصرية العامة للكتاب - مصر
سنة النشر 2000
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية