[سورة النبإ (٧٨) : الآيات ٣١ الى ٣٦]
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (٣١) حَدائِقَ وَأَعْناباً (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْراباً (٣٣) وَكَأْساً دِهاقاً (٣٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً (٣٥)جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً (٣٦)
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ السُّعَدَاءِ وَمَا أَعَدَّ لَهُمْ تعالى من الكرامة والنعيم المقيم فقال تعالى:
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ: مُتَنَزَّهًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: فَازُوا فَنَجَوْا مِنَ النار. والأظهر هَاهُنَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِأَنَّهُ قَالَ بَعْدَهُ حَدائِقَ وَهِيَ الْبَسَاتِينُ مِنَ النَّخِيلِ وَغَيْرِهَا وَأَعْناباً وَكَواعِبَ أَتْراباً أَيْ وَحُورًا كَوَاعِبَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ كَواعِبَ أَيْ نَوَاهِدَ، يَعْنُونَ أَنْ ثُدُيَّهُنْ نَوَاهِدَ لَمْ يَتَدَلَّيْنَ لِأَنَّهُنَّ أبكار عرب أتراب أي في سن واحد كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْوَاقِعَةِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّشْتَكِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الله بن تيم، حَدَّثَنَا عَطِيَّةُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَبُو الْغَيْثِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ الدِّمَشْقِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ «إِنَّ قُمُصَ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِتَبْدُوَ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ وَإِنَّ السَّحَابَةَ لَتَمُرُّ بِهِمْ فَتُنَادِيهِمْ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ مَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ أُمْطِرَكُمْ؟ حتى أنها لتمطرهم الكواعب الأتراب».
وقوله تعالى: وَكَأْساً دِهاقاً قال ابن عباس: مملوءة ومتتابعة. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: صَافِيَةٌ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ دِهاقاً الْمَلْأَى الْمُتْرَعَةُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وسعيد بن جبير هي المتتابعة. وقوله تعالى: لَا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً كَقَوْلِهِ: لَا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ [الطَّوْرِ: ٢٣] أَيْ لَيْسَ فِيهَا كَلَامٌ لَاغٍ عَارٍ عَنِ الْفَائِدَةِ وَلَا إِثْمٌ كَذِبٌ، بَلْ هِيَ دَارُ السَّلَامِ وَكُلُّ مَا فِيهَا سَالِمٌ مِنَ النَّقْصِ وَقَوْلُهُ: جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً أَيْ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ جَازَاهُمُ اللَّهُ بِهِ وَأَعْطَاهُمُوهُ بِفَضْلِهِ وَمَنَّهِ وَإِحْسَانِهِ وَرَحْمَتِهِ عَطاءً حِساباً أَيْ كَافِيًا وافيا شَامِلًا كَثِيرًا، تَقُولُ الْعَرَبُ: أَعْطَانِي فَأَحْسَبَنِي أَيْ كَفَانِي وَمِنْهُ حَسْبِيَ اللَّهُ أَيِ اللَّهُ كَافِيَّ.
[سورة النبإ (٧٨) : الآيات ٣٧ الى ٤٠]
رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً (٣٨) ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (٤٠)
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ وَأَنَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِمَا وَمَا بَيْنَهُمَا وَأَنَّهُ الرَّحْمَنُ الَّذِي شَمِلَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شيء، وقوله تعالى: لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً أَيْ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى ابْتِدَاءِ مُخَاطَبَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:
٢٥٥] وكقوله تَعَالَى: يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ [هود: ١٠٥] وقوله تَعَالَى. يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ بِالرُّوحِ هَاهُنَا مَا هو؟ على أقوال صفحة رقم 312
[أحدها] ما رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ أَرْوَاحُ بَنِي آدَمَ [الثَّانِي] هُمْ بَنُو آدَمَ قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هَذَا مِمَّا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَكْتُمُهُ [الثَّالِثُ] أَنَّهُمْ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ عَلَى صُوَرِ بَنِي آدَمَ وَلَيْسُوا بِمَلَائِكَةٍ وَلَا بِبَشَرٍ، وَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو صَالِحٍ وَالْأَعْمَشُ [الرَّابِعُ] هُوَ جِبْرِيلُ قَالَهُ الشَّعْبِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والضحاك، ويستشهد لهذا القول بقوله عز وجل: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [الشُّعَرَاءِ: ١٩٣- ١٩٤] وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: الروح هو أَشْرَفُ الْمَلَائِكَةِ وَأَقْرَبُ إِلَى الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ وصاحب الوحي.
[الخامس] أَنَّهُ الْقُرْآنُ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ كَقَوْلِهِ: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [الشُّورَى:
٥٢] الآية. [وَالسَّادِسُ] أَنَّهُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِقَدْرِ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ قَالَ: هُوَ مَلِكٌ عَظِيمٌ مِنْ أَعْظَمِ الْمَلَائِكَةِ خَلْقًا.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «١» : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، حَدَّثَنَا رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: الرُّوحُ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ هُوَ أعظم من السموات وَمِنَ الْجِبَالِ وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ يُسَبِّحُ كُلَّ يَوْمٍ اثني عشر ألف تسبيحة، يخلق الله تعالى مِنْ كُلِّ تَسْبِيحَةٍ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَفًا وَحْدَهُ وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ جِدًّا.
وَقَدْ قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْسٍ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا وَهْبُ الله بن روق بن هبيرة، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي عَطَاءٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ:
سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَكًا لَوْ قِيلَ لَهُ الْتَقِمِ السموات السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ بِلَقْمَةٍ وَاحِدَةٍ لَفَعَلَ. تَسْبِيحُهُ سُبْحَانَكَ حَيْثُ كُنْتَ» وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، وَفِي رَفْعِهِ نَظَرٌ، وَقَدْ يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَيَكُونُ مِمَّا تَلَقَّاهُ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَتَوَقَّفَ ابْنُ جَرِيرٍ فَلَمْ يَقْطَعُ بِوَاحِدٍ من هذه الأقوال كلها والأشبه عندي والله أعلم أنهم بنو آدم.
وقوله تعالى: إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ كَقَوْلِهِ: لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ [هُودٍ: ١٠٥] وَكَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ «وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ» «٢» وقوله تعالى: وَقالَ صَواباً أَيْ حَقًّا وَمِنَ الْحَقِّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَمَا قَالَهُ أَبُو صَالِحٍ وعكرمة، وقوله تعالى: ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ أَيِ الْكَائِنُ لَا مَحَالَةَ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً أَيْ مرجعا طريقا يَهْتَدِي إِلَيْهِ وَمَنْهَجًا يَمُرُّ بِهِ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ تعالى: نَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً
يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِتَأَكُّدِ وُقُوعِهِ صَارَ قَرِيبًا لِأَنَّ كُلَّ مَا هُوَ آت آت وْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَداهُ
أَيْ يَعْرِضُ عَلَيْهِ جَمِيعَ أَعْمَالِهِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا.
قَدِيمِهَا وَحَدِيثِهَا كقوله تعالى: وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً [الكهف: ٤٩] وكقوله تعالى: يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ
[القيامة: ١٣].
(٢) أخرجه البخاري في الأذان باب ١٢٩، والتوحيد باب ٢٤، ومسلم في الإيمان حديث ٢٩٩. [.....]
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
محمد حسين شمس الدين