وأما من خاف مقام ربه أي مقامه يوم القيامة لحساب ربه ونهى النفس الأمارة بالسوء عن الهوى في الصحاح الهوى ميل النفس مما يشتهيه قيل : سمي به لأنه يهوي صاحبه في الدنيا إلى كل داهية وفي الآخرة إلى الهاوية والهوى الانهدار والسقوط عن علو. اعلم أن الهوى رأس المنهيات وأساس المحرمات قال أبو بكر الوراق إن الله لم يخلق خلقا أخبث من الهوى، قلت وهو قبيح عقلا وشرعا أما عقلا فلأن حقائق الأشياء كما هي في نفس الأمر لاسيما حقائق المبدأ والمعاد وعواقب الأمور من الأخلاق والأفعال وغيرها المستدعية لحسنها وقبحها مما لا يدرك غالبا بالرأي وإن أدرك بعضها بالرأي فلا يليق بالوثوق ما لم يستفاد من علام الغيوب يتوسط الرسل عليهم السلام وإلا لما احتيج إلى الرسل، فتحصيل العقائد الصحيحة والعلم بالأعمال الحسنة والقبيحة والعمل بها وبالأخلاق الشريفة والرذيلة لا يتصور إلا باتباع الرسل على خلاف الهوى واتباع الهوى يضاده، وأما شرعا فلأن الله سبحانه قال : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ٥٦ ١ وفي الصحاح العبودية إظهار التذلل والعبادة أبلغ منها وهي ضربان عبادة بالتسخير كما يدل عليه قوله تعالى : ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ٢ وعبادة بالاختيار وهو مطلوبة من الثقلين فكما أن الأشياء كلها بالتخسير والاضطرار لا يتصور منه إلا ما شاء الله وأراد فلا بد أن يكون كذلك بالاختيار لا يصدر منه شيء من أفعال القلوب والجوارح وصفات النفس إلا ما أراد الله وأمر به بلا مدخل للهواء فيه وضده واتباع الهوى فهو ينافي العبودية فكل باطل قبيح من شعب من الهوى ومنبعث من الآراء الكاسدة قالت الكفار بناء على فساد رأيهم وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ٣ أبشرا منا واحدا نتبعه ٤ قالت المجسمة : الباري موجود وكل موجود جسم متحيز وقالت المعتزلة وغيرهم لا يتصور عذاب القبر ووزن الأعمال والصراط ونحو ذلك والفساق مع اعترافهم بوجوب امتثال الرسول والقرآن وعلمهم بعذاب الآخرة وعلى مساوئ الأخلاق والأعمال لم يثبتوا على الشرائع باتباع الهوى والشهوات فتركوا الواجبات وارتكبوا المحرمات والمكروهات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ثلاث مهلكات هوى ) إلى ( بئس العبد عبد الهوى يضله ) رواه الترمذي والبيهقي عن أسماء بنت عميس، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ثلاث مهلكات هوى متبع وشح مطاع وإعجاب المرء بنفسه وهي أشدهن ) رواه البيهقي عن أبي هريرة، قلت : والثلاث كلها راجعة إلى الهوى وإن كان المراد في الحديث بالهوى بعض أفرادها.
فائدة : ترك الهوى على مراتب أدناه اجتناب ما هو يخالف ظاهر النصوص وإجماع السلف في العقائد وبه يصير مسلما سنيا وأوسطه ما قال مقاتل أن يهم الرجل المعصية فيذكر مقامه للحساب فيتركها ومن تمام هذه المرتبة ترك المشتبهات واجتناب عما لا بأس به حذرا عما به بأس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من اتقى المشتبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في المشتبهات وقع في المحرمات كراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقع )٥ متفق عليه عن النعمان بن بشير وأيضا من تمامه قصر دائرة المباح على ما لا بد منه وترك الهوى في الفضول منها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من الإسراف أن تأكل كل ما اشتهيت )٦ رواه ابن ماجه والبيهقي عن أنس، قال المجدد قال سيدنا قبلتنا الشيخ الأجل الشيخ بهاء الدين النقشبندي وجدت طريقا أمرب الطرق إلى الله سبحانه وهي المخالفة مع النفس يعني زيادة الرعاية الشريعة والله تعالى أعلم وها هنا تدقيق وهي أن المعصية منها ما هو ظاهر يمكن التحرز عنها مخالفة المقام لجانب ربه العلام ومنها ما هو أدق من دبيب النمل وذلك ما كان منها في لباس الحسنات كالرياء أو العجب وتزكية النفس المنهي عنها في كثرة النوافل والطاعات وهذا من مزال الأقدام، قال بعض الأكابرة لمريده يا بني لا أخاف طرق الشيطان إليك من سبيل السيئات ولكن أخاف أن يطرق إليك من طريق الحسنات والتحفظ في هذا المقام إتهام نفسه في كل مأتى به والتضرع والاستغفار.
أبيات :
خالف النفس والشيطان واعصهما وإن هما محضاك النصح فاتهم
ولا تطع منهما خصما ولا حكما فأنت تعرف كيد الخصم والحكم
استغفر لله من قول بلا عمل لقد نسبت به نسلا لذي عقم
والحصين في كل الحصين في هذه المقام التشبت بذيل شيخ فات في الله باق به وأن لا يفعل شيئا إلا بأمره وإجازته، ذكر الشيخ الإمام يعقوب الكرخي عن بدء حاله أنه قال : كنت نجارا فأدركت في نفسي تكاسلا وفي باطني شيئا من الظلمة فأردت أن أصوم أياما ليذهب ذلك فعمت وأصبحت عند الشيخ الإمام الأجل بهاء الملة والدين النقشبذر فأمر الشيخ بإحضار الطعام وقال لي كل فإنه بئس العبد عبد الهوى تضاله وقال : إن الأكل أفضل من الصوم إن كان بهوى النفس ففهمت أنه لا بد في العبادة النافلة أيضا من إذن من الشيخ الفاني في الله المستخلص عن الهوى، قال قلت للشيخ بهاء الدين إن لم يوجد شيخ كذلك فماذا يفعل المرء قال : فقال الشيخ ليستغفر الله كثيرا أو يستغفر بعد كل صلاة عشرين مرة فإنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة )٧ وأعلى المراتب الانتهاء عن الهوى سلب الهوى عن نفسه بالكلية بحيث يكون لكون له مراد ومطلب غير الله سبحانه وغير مراده ولتحصيل هذه المرتبة تكثر الصوفية تكرار لا إله إلا الله بملاحظة لا مقود إلا الله، قال المجدد رضي الله عنه إن العبد ما دام في هوى نفسه فهو عبد نفسه مطيع الشيطان وهذه الدولة العظمى يعني سلب الهوى بالكلية منوط بالولاية الخالصة ومربوط بالفناء والبقاء الأكملين، قلت : وفي هذه المرتبة يحصل للصوفي الرضاء بما قدر الله له وإن كان خلاف طبعه وإنه يدعو لدفع ضرر نزل به بناء على أنه مأمور بالدعاء أو طلب العافية لا لأجل ضيق صدره من فقدان مراده وفي هذه المرتبة يكون عبد الله تعالى بالاختيار كما هو عبد الله بالتسخير والاضطرار لا يجد الشيطان إليه سبيلا إلا نادرا لأن سبيله إلى الإنسان غالبا يكون بتوسط الهوى ألا ترى أن من هو محرور المزاج مغلوب الغضب يزين له الشطان نم أعماله القتل والظلم ونحو ذلك ومن هو مبرود المزاج ضعيف القلب يزين له الشيطان القرار من الزحف وترك الغيرة في الحق والنفاق ونحو ذلك وقس على هذا فإذا أزال الهوى منه انسد طرق الشيطان إليه كلها وذلك مصداق قوله تعالى : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا ٦٥ ٨ ومن هذا المقام قال شيخ الأجل يعقوب الكرخي لا يبلغ مبلغ الرجال حتى يخلص من الهوى وفي هذا المقام يطلق على العبد أنه مؤمن حقيقي وهو المراد من قوله صلى الله عليه وسلم :( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ) رواه البغوي في الشرح السنة، وقال النووي في أربعين حديث صحيح.
٢ سورة الرعد، الآية: ١٥..
٣ سورة الفرقان، الآية: ٧..
٤ سورة القمر، الآية: ٢٤..
٥ أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: فضل من استبرأ لدينه (٥٢)، وأخرجه مسلم في كتاب: المساقاة، باب: أخذ الحلال وترك الشبهات (١٥٩٩)..
٦ أخرجه ابن ماجه في كتاب: الأطعمة، باب: من الإسراف أن تأكل ما اشتهيت (٣٣٥٢)، وإسناده ضعيف..
٧ أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة، باب: استحباب الاستغفار والاستكثار منه (٢٧٠٢)..
٨ سورة الإسراء، الآية: ٦٥..
التفسير المظهري
المظهري