ﮮﮯ

أقسم سبحانه بهذه الأشياء التي ذكرها، وهي الملائكة التي تنزع أرواح العباد عن أجسادهم كما ينزع النازع في القوس فيبلغ بها غاية المدّ، وكذا المراد بالناشطات والسابحات والسابقات والمدبرات : يعني الملائكة، والعطف مع اتحاد الكل لتنزيل التغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي، كما في قول الشاعر :

إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم
وهذا قول الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
فالمدبرات أَمْراً لأنه يبعد أن يجعل السبق سبباً للتدبر. قال الرازي : ويمكن الجواب عما قاله الواحدي : بأنها لما أمرت سبحت فسبقت فدبرت ما أمرت بتدبيره، فتكون هذه أفعالاً يتصل بعضها ببعض كقوله : قام زيد فذهب، ولما سبقوا في الطاعات وسارعوا إليها ظهرت أمانتهم ففوّض إليهم التدبير. ويجاب عنه بأن السبق لا يكون سبباً للتدبير كسببية السبح للسبق والقيام للذهاب، ومجرد الاتصال لا يوجب السببية والمسببية. والأولى أن يقال : العطف بالفاء في المدبرات طوبق به ما قبله من عطف السابقات بالفاء، ولا يحتاج إلى نكتة كما احتاج إليها ما قبله، لأن النكتة إنما تطلب لمخالفة اللاحق للسابق لا لمطابقته وموافقته. فالمدبرات أَمْراً قال القشيري : أجمعوا على أن المراد هنا : الملائكة. وقال الماوردي : فيه قولان : أحدهما ا لملائكة وهو قول الجمهور. والثاني أنها الكواكب السبع، حكاه خالد بن معدان عن معاذ بن جبل. وفي تدبيرها الأمر وجهان : أحدهما تدبر طلوعها وأفولها. الثاني : تدبر ما قضاه الله فيها من الأحوال. ومعنى تدبير الملائكة للأمر نزولها بالحلال والحرام، وتفصيلهما والفاعل للتدبير في الحقيقة وإن كان هو الله عزّ وجلّ، لكن لما نزلت الملائكة به وصفت به. وقيل : إن الملائكة لما أمرت بتدبير أهل الأرض في الرياح والأمطار وغير ذلك قيل لها : مدبرات. قال عبد الرحمن بن ساباط : تدبير أمر الدنيا إلى أربعة من الملائكة : جبريل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل، فأما جبريل فموكل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل فموكل بالقطر والنبات، وأما عزرائيل فموكل بقبض الأنفس، وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم وجواب القسم بهذه الأمور التي أقسم الله بها محذوف : أي والنازعات، وكذا وكذا لتبعثنّ. قال الفرّاء : وحذف لمعرفة السامعين به، ويدل عليه قوله : أئِذَا كُنَّا عظاما نَّخِرَةً . وقيل : إن جواب القسم قوله : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لّمَن يخشى أي إن في يوم القيامة وذكر موسى وفرعون لعبرة لمن يخشى. قال ابن الأنباري : وهذا قبيح، لأن الكلام قد طال بينهما، وقيل : جواب القسم هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى لأن المعنى : قد أتاك، وهذا ضعيف جداً، وقيل الجواب يَوْمَ تَرْجُفُ الراجفة على تقدير ليوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة. وقال السجستاني : يجوز أن يكون هذا من التقديم والتأخير، كأنه قال : فإذا هم بالساهرة والنازعات. قال ابن الأنباري : وهذا خطأ لأن الفاء لا يفتتح بها الكلام، والأوّل أولى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن عليّ بن أبي طالب في قوله : والنازعات غَرْقاً قال : هي الملائكة تنزع روح الكفار والناشطات نَشْطاً قال : هي الملائكة تنشط أرواح الكفار ما بين الأظفار والجلد حتى تخرجها والسابحات سَبْحاً هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين بين السماء والأرض فالسابقات سَبْقاً هي الملائكة يسبق بعضها بعضاً بأرواح المؤمنين إلى الله فالمدبرات أَمْراً هي الملائكة تدبر أمر العباد من السنة إلى السنة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس : والنازعات غَرْقاً قال : هي أنفس الكفار تنزع ثم تنشط ثم تغرق في النار. وأخرج الحاكم وصححه عنه : والنازعات غَرْقاً * والناشطات نَشْطاً قال : الموت. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود : والنازعات غَرْقاً قال : الملائكة الذين يلون أنفس الكفار إلى قوله : والسابحات سَبْحاً قال : الملائكة. وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لا تمزّق الناس، فتمزقك كلاب النار، قال رسول الله : والناشطات نَشْطاً أتدري ما هو ؟ قلت : يا نبيّ الله ما هو ؟ قال : كلاب في النار تنشط اللحم والعظم». وأخرج ابن أبي حاتم عن عليّ بن أبي طالب أن ابن الكوّاء سأله عن المدبرات أمْراً قال : هي الملائكة يدبرون ذكر الرحمن وأمره. وأخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت عن ابن عباس قال : المدبرات أمْراً ملائكة يكونون مع ملك الموت يحضرون الموتى عند قبض أرواحهم، فمنهم من يعرج بالروح، ومنهم من يؤمِّن على الدّعاء، ومنهم من يستغفر للميت حتى يُصلى عليه ويدلى في حفرته. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه يَوْمَ تَرْجُفُ الراجفة قال : النفخة الأولى تَتْبَعُهَا الرادفة قال : النفخة الثانية قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ قال : خائفة أَءنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحافرة قال : الحياة. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبيّ بن كعب قال :«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام فقال : أيها الناس اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه». وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والديلمي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ترجف الأرض رجفاً وتزلزل بأهلها وهي : التي يقول الله يَوْمَ تَرْجُفُ الراجفة * تَتْبَعُهَا الرادفة يقول : مثل السفينة في البحر تكفأ بأهلها مثل القنديل المعلق بأرجائه». وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس : قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ قال : وجلة متحركة. وأخرج عبد بن حميد عنه أَءنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحافرة قال : خلقاً جديداً. وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن الأنباري في الوقف والابتداء وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً أنه سئل عن قوله : فَإِذَا هُم بالساهرة فقال : الساهرة وجه الأرض، وفي لفظ قال : الأرض كلها ساهرة، ألا ترى قول الشاعر :
صيد بحر وصيد ساهرة ***...
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عنه أيضاً هَل لَّكَ إلى أَن تزكّى قال : هل لك أن تقول : لا إله إلاّ الله ؟ وأخرج ابن جرير عنه أيضاً فَأَخَذَهُ الله نَكَالَ الآخرة قال : قوله : أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى والأولى قال : قوله : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إله غَيْرِي [ القصص : ٣٨ ]. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو قال : كان بين كلمتيه أربعون سنة.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية