تفسير المفردات : الفتنة : الاختبار والامتحان بما يشق على النفس فعله أو تركه أو قبوله أو إنكاره، فهي تكون في الاعتقاد والأقوال والأفعال والأشياء، فيمتحن الله المؤمنين والكافرين والصادقين والمنافقين، ويجازيهم بما يترتب على فتنتهم من إتباع الحق والباطل وعمل الخير أو الشر.
المعنى الجملي : روي أن أبا سفيان خرج من مكة : وكان لا يخرج إلا في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فأعلم الله رسوله بمكانه، فكتب رجل من المنافقين على أبي سفيان : إن محمدا يريدكم فخذوا حذركم فأنزل الله لا تخونوا الله والرسول الآية.
وروي أنها نزلت في أبي لبابة وكان حليفا لبني قريظة من اليهود، فلما خرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد إجلاء إخوانهم من بني النضير، أرادوا بعد طول الحصار أن ينزلوا من حصنهم على حكم سعد بن معاذ وكان من حلفائهم من قبل غدرهم ونقضهم لعهد النبي صلى الله عليه وسلم فأشار إليهم أبو لبابة ألا تفعلوا وأشار إلى حلقه يريد : أن سعدا سيحكم بذبحهم فنزلت الآية.
قال أبو لبابة : ما زالت قدماي عن مكانهما حتى علمت أني خنت الله ورسوله، وروي ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل امرأته : أيصوم ويصلي ويغتسل من الجنابة ؟ فقالت إنه ليصوم ويصلي ويغتسل من الجنابة ويحب الله ورسوله ).
وقد روي ( أن أبا لبابة شد نفسه على سارية من المسجد وقال : والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله عليّ، ثم مكث سبعة أيام لا يذوق طعاما ولا شرابا حتى خر مغشيا عليه، ثم تاب الله عليه، فقيل له : قد تيب عليك، فقال : والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني فجاء فحله بيده ).
الإيضاح : واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة أي إن فتنة الأموال والأولاد عظيمة لا تخفى على ذوي الألباب، إذ أموال الإنسان عليها مدار معيشته وتحصيل رغائبه وشهواته ودفع كثير من المكاره عنه، من أجل ذلك يتكلف في كسبها المشاق ويركب الصعاب ويكلفه الشرع فيها التزام الحلال واجتناب الحرام ويرغّبه في القصد والاعتدال، ويتكلف العناء في حفظها وتتنازعه الأهواء في إنفاقها، ويفرض عليه الشارع فيها حقوقا معينة وغير معينة : كالزكاة ونفقات الأولاد والأزواج وغيرهم.
وأما الأولاد فحبهم مما أودع في الفطرة، فهم ثمرات الأفئدة وأفلاذ الأكباد لدى الآباء والأمهات، ومن ثم يحملهما ذلك على بذل كل ما يستطاع بذله في سبيلهم من مآل وصحة وراحة، وقد روي عن أبي سعيد الخدري مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم :( الولد ثمرة القلب وإنه مجبنة مبخلة محزنة ).
فحب الولد قد يحمل الوالدين على اقتراف الذنوب والآثام في سبيل تربيتهم والإنفاق عليهم وتأثيل الثروة لهم، وكل ذلك قد يؤدي إلى الجبن عند الحاجة إلى الدفاع عن الحق أو الأمة أو الدين وإلى البخل بالزكاة والنفقات المفروضة والحقوق الثابتة ؛ كما يحملهم ذلك على الحزن على من يموت منهم بالسخط على المولى والاعتراض عليه إلى نحو ذلك من المعاصي كنوح الأمهات وتمزيق ثيابهن ولطم وجوههن ؛ وعلى الجملة ففتنة الأولاد أكثر من فتنة الأموال، فالرجل يكسب المال الحرام ويأكل أموال الناس بالباطل لأجل الأولاد.
فيجب على المؤمن أن يتقي الفتنتين، فيتقي الأولى بكسب المال من الحلال وإنفاقه في سبيل البر والإحسان، ويتقي خطر الثانية من ناحية ما يتعلق منها بالمال ونحوه بما يشير إليه الحديث. ومن ناحية ما أوجبه الدين من حسن تربية الأولاد وتعويدهم الدين والفضائل وتجنيبهم المعاصي والرذائل.
وأن الله عنده أجر عظيم فعليكم أن تؤثروا ما عند ربكم من الأجر العظيم بمراعاة أحكام دينه في الأموال والأولاد على ما عساه قد يفوتكم في الدنيا من التمتع بهما.
تفسير المراغي
المراغي