٣ – الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون . في هذه الآية استكمال للصورة الكريمة للمؤمن.
فلا يكتمل إيمان المؤمن حتى يقيم الصلاة على وجهها ويؤديها في خشوعها وخضوعها، ولا يكمل إيمانه حتى يكون مع إقامة الصلاة – من المنفقين مما رزقهم الله في وجوه البر والإحسان.
وقد تحدث العلماء عن الصلاة وخشوعها وخضوعها ووجوب حضور القلب فيها حتى يكون أداؤها كاملا كما تحدثوا عن فرضية الزكاة، وعن فضل الصدقة والإنفاق والعطاء.
وقد قرنت الصلاة بالزكاة في كثير من آيات القرآن، فالصلاة وسيلة لطهارة القلب وتعميق الإيمان، والإنفاق في سبيل الله وسيلة للعطف على الفقراء والمساكين ومساعدة المحتاجين وتسخير المال فيما خلقه الله من أجله. قال تعالى : وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه .
والصفات السابقة كلها متكاملة تؤدى إلى شخصية سوية ونفس مطمئنة وقلب عامر بالإيمان.
١ – هذه الآيات الكريمة في فاتحة سورة الأنفال تربية ربانية للمؤمنين، وتوجيه لهم ما إلى ما يسعدهم، وإرشاد لهم إلى أن المؤمن الصادق في إيمانه هو الذي يجمع بين سلامة العقيدة، وسلامة الخلق وصلاح العمل وأن المؤمن متى جمع بين هذه الصفات ارتفع إلى أعلى الدرجات وأحس بحلاوة الإيمان في قلبه...
روى الحافظ الطبراني عن الحارث بن مالك الأنصاري أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : كيف أصبحت يا حارث ؟ قال أصبحت مؤمنا حقا، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : نظر ما تقول، فأن لكل شيء حقيقة، فما حقيقة إيمانك ؟ فقال الحارث : عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلى، وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاعفون فيها فقال صلى الله عليه وسلم يا حارث، عرفت فالزم " ثلاثاvii.
٢ – من سنة القرآن الكريم في ذكر القصص والوقائع أنه لا يعرض لها مرتبة حسب وقوعها وذلك لأنه لا يذكرها ؛ لما فيها من العبر والمواعظ، ولما تتطلبه من الأحكام ولذلك لم تبدأ سورة الأنفال بالحديث عن الغزوة، وإنما بدأت بالحديث عن الأنفال مع أنها أمر لاحق للغزو والجهاد ؛ لأن القرآن أراد أن يتجه مباشرة إلى تربية المؤمنين، وعلاج الخلاف الذي حدث بسبب الغنائم، وتوجيه القلوب إلى الإخلاص لله والتجرد من حب المال والتطلع إلى المادة، ولا ريب أن حب المال والتطلع إلى المادة، والضعف أمام إغراء المال من أكبر أسباب الفشل، لقد كانت تربية القرآن تربية سليمة في تطهير الروح، وتوجيه النفوس إلى التكامل والتوازن والسلوك القويم.
تفسير القرآن الكريم
شحاته