وإذ يمكر بك الذين كفروا عطف على قوله إذ انتم قليل يعني اذكر وإذ يمكر بك الذين كفروا وإذا قالوا : اللهم فإن هذه السورة مدنية وهذا المكر والقول كان بمكة.
روى ابن إسحاق وعبد الرزاق وأحمد وابن جرير وأبو نعيم وابن المنذر والطبراني عن ابن عباس وعبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ان قريشا لما أسلمت الأنصار رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كانت له شيعة وأصحابا من غير بلدهم ورأوا خروج أصحابه المهاجرين إليهم عرفوا أنهم نزلوا دارا وأصابوا جوارا ومنعة فحذروا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم فاجتمعوا له في دار الندوة، وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمرا إلا يتشاورون فيها فاجتمعوا لذلك و اتعدوا وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل عليه له فوقف على باب الدار، فلما رأوه واقفا على بابها قالوا : من الشيخ ؟ قال : شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى أن لا تعدموا منه رأيا ولا نصحا، قالوا أجل ادخل فدخل معهم واجتمع فيها أشراف قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وطعيمة بن عدي والنضير ابن الحارث بن كلدة وأبو البختري بن هشام وزمغة بن الأسود وأبو جهل بن هشام ونبيه ومنبه ابنا حجاج وأمية بن خلف وأبو سفيان بن حرب و جبير بن معطم وحكيم بن حزام، وأسلم الثلاثة الأخيرة بعد ذلك وغيرهم من كان منهم ومن غيرهم ممن لا يعد من قريش، فقال : بعضهم لبعض إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم وإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمن اتبعه من غيرنا فأجمعوا فيه رأيا. فتشاوروا فقال : قائل منهم – نقل السهيلي عن عبد السلام أنه أبو البختري بن هشام – احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله زهير والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه ما أصابهم، فقال : الشيخ النجدي لعنة الله : والله ما هذا لكم برأي والله لئن حبستموه في بيت ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه فيوشك أن يثبوا عليكم فيقاتلوكم ويأخذوه من أيديكم قالوا : صدق الشيخ، فقال : قائل منهم – ذكر السهيلي انه أبو الأسود ربيعة بن عمر أخو بني عامر بن لؤي – نخرجه من بين أظهرنا فلا يضرنا ما صنع وأين وقع إذا غاب عنا وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وألفتنا فقال : الشيخ النجدي لعنة الله : ما هذا لكم برأي ألم تروا إلى حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبة قلوب الرجال بما يأتي به والله لئن فعلتم ذلك فيذهب فيستميل قلوب قوم ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم به فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد فرأوا فيه رأيا غير هذا، فقال : أبو جهل : والله إن لي فيه رأيا ما أراكم وقفتم عليه بعد، قالوا : وما هو يا أبا الحكم ؟ قال : أرى أن نأخذ من كل قبيلة شابا جلدا حسيبا وسطا ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما ثم يعمدوا عليه بأجمعهم فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا فرضوا به بالعقل فعقلناه لهم، فقال : الشيخ النجدي : القول ما قال : هذا الرجل هذا الرأي لارأي غيره وقال الشاعر :
الرأي رأيان رأي ليس يعرفه هاد ورأي كنصل السيف معروف
يكون أوله عز ومكرمة يوما وآخره حمد وتشريف
فتفرق القوم عن ذلك وهم مجتمعون له فأتى جبرئيل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لاتبت هذه الليلة على فراشك الذي تبيت عليه واخبره بمكر القوم وأذن الله تعالى في الخروج، فلما كانت العتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام فيبيتون عليه فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم قال : لعلي رضي الله عنه : نم على فراشي وتسج بردائي الأخضر الحضرمي فنم فيه فإنه لن يخلص إليك منهم أمر تكرهه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام في برده ذاك إذا نام، فلما اجتمعوا قال : أبو جهل إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على امره كنتم ملوك العرب والعجم ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم كجنان الأردن وإن أنتم لم تفعلوا كان له فيكم ذبيح ثم بعثتم بعد موتكم فجعل لكم النار تحرقون فيها. فخرج رسول اله صلى الله عليه وسلم ومعه حفنة من تراب ثم قال :" نعم أنا أقول ذلك وانت أحدهم " واخذ الله تعالى على أبصارهم عنه فلا يرونه فجعل يذري التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات يس ١ والقرآن الحكيم ٢ إلى قوله { فهم لا يبصرون ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسه ترابا وانصرف إلى حيث أراد أن يذهب فأتاهم آت ممن لم يكن معهم، فقال : ما تنظرون ها هنا ؟ قالوا : محمدا قال : خيبكم الله عز وجل قد والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته فما ترون ما بكم ووضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب ثم جعلوا يطلعون فيرون عليا رضي الله عنه على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم متسجا برداء رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون : والله إن هذا محمد نائم عليه برده فلم يزالوا كذلك حتى أصبحوا فقام علي عن فراشه فقالوا : والله لقد صدقنا الذي كان حديثا وذهب رسول اله صلى الله عليه وسلم إلى غار ثور، وسيجيء باقي قصة خروجه صلى الله عليه وسلم في سورة التوبة إن شاء الله تعالى.
روى الحاكم عن ابن عباس قال : شرى علي نفسه وليس ثوب النبي صلى الله عليه وسلم ثم نام مكانه وكان المشركون يرمون رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلوا يرمون عليا ويرونه النبي صلى الله عليه وسلم وجعل علي يتضور فإذا هو علي فقالوا : إنك للئيم إنك لتتضور وكان صاحبك لا يتضور ولقد استنكرناه فيك.
وروى الحاكم عن علي بن الحسين قال : إن أول من شرى نفسه ابتغاء رضوان الله علي وقال في ذلك شعر :
وقيت بنفسي خير من وطى الحصى ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر
رسول إله أخاف ان يمكروا به فنجاه ذو الطول الإله من المكر
وبنات رسول الله في الغار آمنا موقى وفي حفظ الإله وفي ستر
وبت أراعيهم وما يتهمونه وقد وطنت نفسي على القتل والأسر
قال ابن إسحاق : وكان مما نزل في ذلك اليوم وما اجتمعوا له قوله تعالى : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أي يحبسوك ويوثقوك كما قال : به أو الحقيق أو يقتلوك كما قال : به أبو جهل وارتضى به إبليس لعنهما الله سبحانه أو يخرجوك كما قال : به أخو بني عامر ويمكرون ويمكر الله المكر صرف الغير عما يقصده بحلية ذلك ضربان مكر محمود وهو ان يتحرى بذلك فعل جميل ومذموم وهو أن يتحرى به فعل قبيح لكن إسناده إلى الله تعالى غنما يحسن للمزاوجة ولا يجوز إطلاقها ابتداء لما فيه من إبهام الذم والمعنى أنهم احتالوا لإبطال أمر محمد وإطفاء نور الله والله تعالى احتال لإتمام أمره ونوره وإهلاك أعدائه والله خير الماكرين فإن فعله تعالى خير كله وحسن جميل.
وقيل : معنى مكر الله انه يرد مكرهم، وقيل : معناه يجازيهم على المكر، وقال بعضهم من مكر الله إمهال العبد وتمكينه من أعراض الدنيا ولذلك قال : أمير المؤمنين من وسع عليه دنياه ولم يعلم أنه مكر فهو مخدوع عن عقل عن عقله.
وأخرج ابن جرير من طريق عبيد بن عمير عن المطلب بن وداعة أن أبا طالب قال : للنبي صلى الله عليه وسلم : ما يأتمر بك قومك ؟ قال :" يريدون أن يسجنوني أو يقتلوني أو يخرجوني " قال : من حدث بهذا ؟ قال ربي، قال نعم الرب ربك فاستوص به خيرا، قال : أنا أستوصي به بل هو يستوصي بي فنزلت وإذ يمكر بك الذين كفروا الآية، قال : ابن كثير ذكر أبي طالب فيه غريب بل منكر لأن القصة ليلة الهجرة وذلك بعد موت أبي طالب بثلاث سنين.
التفسير المظهري
المظهري