وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ٣٠ [ الأنفال : الآية ٣٠ ].
قال بعض العلماء : هذه الآية من سورة الأنفال مكية، مع أن الأنفال مدنية. والأظهر أن هذه الآية كغيرها من سورة الأنفال مدنية ؛ وذلك أن الله لما فتح على نبيه، ونصره يوم بدر، وأنزل سورة الأنفال في وقعة بدر، ذكر نبيه بنعمه الماضية عليه في مكة قبل هجرته منها، وعرفه إنعامه عليه حيث أنجاه من مكر أعدائه وإذ يمكر بك الذين كفروا [ الأنفال : الآية ٣٠ ]. واذكر يا محمد - صلوات الله وسلامه عليه - أيام كنت في مكة بعد أن مات عنك الذي كان ينصرك ويحوطك، وهو أبو طالب، وتمكنت قريش من أن يؤذوك ويخرجوك، ودبروا لك ذلك المكر العظيم، اذكر إنعامي حيث مكرت بهم وجعلتها عليهم لا لهم. واذكر إذ ( يمكر بك الذين كفروا } المكر : المكيدة، وهو إخفاء الكيد ليوصل الشر إلى الممكور به في خفاء.
الذين كفروا كفار مكة ؛ وذلك أن أشراف قريش اجتمعوا في دار الندوة يتشاورون في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وجاءهم شيخ في صفة شيخ جليل، فقالوا له : ممن أنت ؟ فقال : أنا شيخ من أهل نجد، وهو الشيطان، تمثل لهم في صورة ذلك الشيخ، قال لهم : لست من أهل تهامة وإنما أنا من أهل نجد - وكان أهل نجد في ذلك الوقت كفارا، وقريش يثقون فيهم لكفرهم، وأن الجميع على ملة واحدة - قال لهم إبليس في صفة ذلك الشيخ اللعين : سمعت أنكم تجتمعون لتتشاوروا في رأي هذا الرجل فجئتكم، ولا تعدمون مني رأيا حسنا في هذا الأمر.
فقال بعض قريش :- قالوا : ممن قاله : أبو البختري - : خلونا نكبله بالحديد، ونسجنه في دار، ونقفل بابها، ولا تترك إلا كوة ندخل إليه منها الطعام والشراب ونتربص به الدوائر حتى يموت كما مات من قبله من الشعراء، زهير والنابغة وأمثالهم من الشعراء، وفي ذلك يقول الله : أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ٣٠ [ الطور : الآية ٣٠ ] وهذا الرأي هو المراد بقوله : ليثبتوك [ الأنفال : الآية ٣٠ ] أي : يكبلوك بالحديد ويسجنوك ويتربصوا بك الدوائر حتى تموت.
وقال بعضهم – ويروى أن ممن قاله هشام بن عمرو- : اطردوه عنا، نجعله على بعير ونبعده من أرضنا وما علينا ما فعل.
فلما قال أبو البحتري الرأي الأول قال له ذلك الشيخ الذي في صورة الشيطان : بئس الرأي رأيك، هذا ليس برأي ؛ لأنكم إن أثبتموه بقيود الحديد وأغلقتم عليه الأبواب جاء قومه فأخرجوه وقاتلوكم عليه حتى يخرجوه، وهذا ليس برأي.
فلما قال الثاني : نبعده ونطرده من بلادنا وما علينا فيما فعله هو وسائر العرب. فقال ذلك اللعين : بئس الرأي الذي رأيت، أنتم تعلمون حلاوة لسانه، واستجلابه لقلوب الناس، فإذا خرج عنكم فلا يأمن أن يأخذ بقلوب الناس حتى يكونوا تبعا له، ثم يغزوكم في بلادكم.
فقال اللعين عمرو بن هشام بن المغيرة المعروف بأبي جهل : الرأي عندي الذي لا أرى غيره : أن تأخذوا من كل قبيلة من قريش شابا، وتعطوه سيفا صارما، فيأتيه ذلك الشباب من جميع قبائل قريش فيبتدرونه فيضربونه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في قبائل قريش، ولا أرى هذا الحي من بني هاشم يقدرون على محاربة جميع قريش، فعند ذلك سيرضون بالدية، فإذا رضوا بديته دفعنا لهم عقله واسترحنا منه.
فقال ذلك اللعين : هذا هو الرأي الذي لا رأي غيره، أما هذا الفتى فهو أجودكم رأيا. وهذا معنى قوله : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أي : بالسجن وقفل الأبواب عليك : أو يخرجوك إلى غير مكة من البلاد أو يقتلوك قتلة رجل واحد حتى يتفرق دمك في قبائل قريش. ويمكرون هذا المكر ليوصلوا إليك الشر في خفية. والله جل وعلا خير الماكرين [ الأنفال : الآية ٣٠ ] – مكر لك بهم، وأخرجك، ونجاك، وأظفرك بهم يوم بدر حتى قتلتهم وأسرتهم، هذا مكرهم وهذا مكر الله.
ولما أجمعوا على هذا الرأي، واتفقت عليه كلمة الجميع، جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بجميع ما قالوا، وقال له :( لا تبت الليلة في موضع مبيتك ) فنادى علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) وأمره أن ينام في المحل الذي كان ينام فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج رسول الله، وقريش محدقون بمنزله، ينتظرون أن يخرج فيقتلوه القتلة التي أشار عليهم بها أبو جهل وإبليس، فأعمى الله عيونهم، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقرأ أوائل سورة ( يس ) وفي يده تراب فذر التراب على رؤوسهم ويقرأ إلى قوله : فأغشيناهم فهم لا يبصرون [ يس : الآية ٩ ] وأذن له في ذلك الوقت في الهجرة فخرج هو وصاحبه إلى الغار، فانتظر قريش حتى الصبح، فوثبوا عليه ليقتلوه، فوجدوا المكان فيه علي بن ابي طالب ( رضي اله عنه ) فقالوا : أين صاحبك ؟ قال : لا أدري ! ! فاقتصوا أثره حتى جاؤوا الجبل الذي فيه الغار فخفي عليهم أثره، وجاؤوا الغار، قال بعض علماء السير : فوجدوا على الغار نسيج العنكبوت، فقالوا : لو دخل هنا لما كان على الغار نسج العنكبوت، ومكث هو وصاحبه في الغار ثلاث ليال – كما قاله بعضهم - واتفقوا مع عبد الله بن الأريقط من بني دئل من كنانة، وأعطوه مراكبهم، وجاءهم في الوعد ؛ لأنهم في ذلك الوقت محتاجون إلى دليل خبير بالأرض فيما بين مكة والمدينة ؛ لأن الطريق السابلة المعروفة عليها العيون والرصد ؛ لأن قريشا جعلت الجعائل والأموال الطائلة لمن يأتيها بمحمد صلى الله عليه وسلم، فصار يحتاج إلى أن يمشي في طرق غير معهودة، وسبل غير معروفة، فآجر لذلك عبد الله بن الأريقط الدئلي، فلما كان بالموعد وأيس قريش من أن يجدوه ورجعوا جاءه فركبوا، وأخذ بهم طرقا غير الطرق المعهودة فلم يطلع عليهم أحد من العرب، حتى مروا ببلاد بني مدلج بن بكر بن كنانة، وذكرهم أحد فقال : أخاف أن يكون هو الرجل الذي يطلبه قريش. فقال له سراقة بن مالك بن جعشم ( رضي الله عنه ) : ليس هو. يريد أن يستأثر بأخذه ؛ ليأخذ المال من قريش، فركب على فرسه في أثرهم، وقصته مشهورة، وعلماء التاريخ يقولون : إن فرسه ساخت به في الأرض، وكاد أن تبتلعه الأرض مرات، وأنه طلب النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب له أمانا ورجع خائبا لم ينل النبي صلى الله عليه وسلم بسوء. وسافر في الهجرة، ومر في سفره هذا بالجحفة، ونزلت عليه في الطريق في الحجفة آية : إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد [ القصص : الآية ٨٥ ] حتى جاء الأنصار ( رضي الله عنهم ). وهذا معنى قوله : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ٣٠ [ الأنفال : الآية ٣٠ ].
وفي قصة الهجرة هذا دليل يبين للناس ويوضح لهم حقيقة أمر ضل فيه الآن أكثر الناس ؛ لأن غالب الناس الآن – وإنا لله وإنا إليه راجعون- اجترفتهم التيارات، فذهبوا يقلدون كل ناعق من كفرة الإفرنج وملاحدتهم ؛ لأنهم رأوا عندهم بعض القوة المادية وبعض الصنائع، ولو كانوا يقتفون أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعلمون كيف كان يفعل لعرفوا ما يأخذون من ذلك وما يتركون ؛ لأن المسلمين يجوز لهم أن يأخذوا من الكفار ما ينفعهم من علوم الكفار الدنيوية، وألا يتبعوهم في شيء مما يمس دينهم وطاعة ربهم – جل وعلا- وهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما تكالبت عليه قوى الشر، واتفق الكفار وشيخهم إبليس على أن يمكروا به، واضطر إلى خبير له خبرة بالأرض، ووجد رجلا كافرا هو عبد الله بن الأريقط لم يمنعه كفره من أن يستفيد من خبرته الدنيوية، فاستفاد من خبرته حتى أوصله المدينة بسلام، ومع ذلك لم يأخذ عنه من الكفر شيئا، بل هو مرض ربه. فعلى المسلمين أن يعتبروا بأمثال هذا، وينتفعوا من الكفار بخبرتهم الدنيوية، ولا يتبعهم فيما يضر دينهم ويسخط ربهم. وأمثال هذا كثيرة، وسنضرب لكم بعض الأمثلة منها :
من ذلك ما يأتي في تفسير سورة الأحزاب من تفاصيل وقعة الخندق وأن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يذكره الأخباريون لما سمع بمقدم أهل الأحزاب قال له سلمان الفارسي : كنا إذا خفنا خندقنا. والخندق هذا هو خطة عسكرية ابتدعتها أفكار الفرس، وهم قوم يعبدون النار، فالنبي صلى الله عليه وسلم لعلمه ومعرفته بالخير والشر لم يمنعه من هذه الخطة العسكرية أن الذين اخترعوها كفرة، بل انتفع بعلم الكفرة الدنيوي وخندق، مع أنه لا يقلدهم في شيء يضر بدينه –صلوات الله وسلامه عليه-.
ومن أمثلة ذلك ما ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه هم أن يمنع وطء النساء المراضع ؛ لأن العرب كانوا يزعمون أن الرجل إذا أتى امرأته في رضاعها أن ذلك يضعف ولدها، ويضعف عظمه، وكانوا إذا ضرب الرجل ونبا سيفه عن الضريبة ولم يقطع قالوا : هذا وطئت أمه وهو يرضع ؛ لأن الغيلة تضعف الرجال، وكان شاعرهم يقول :
| فوارس لم يغالوا في رضاع | فتنبو في أكفهم السيوف |
وهذا يعلمنا أن نفرق بين حضارة الإفرنج – عليهم لعائن الله - ونفصل بين ضارها ونافعها، فننتفع بنافعها وهو منافعها الدنيوية، ونجتنب سمومها الفتاكة القاتلة، وهي ما تدعوا إليه من سوء الأخلاق وضياع كل قيمة، والتمرد على خالق السموات والأرض ( جل وعلا ). ففيها ماء زلال وسم قاتل، فعلينا أن نتجنب السم، ونأخذ الماء الزلال كما كان يفعل صلى الله عليه وسلم كما مثلنا له.
ومن المؤسف كل المؤسف أن الذين صار عندهم شيء من هذه القشور التي يعبرون عنها بالتقدم والحضارة وأمثال ذلك لا يأخذون عن الكفار إلا السم القاتل الفتاك، من الانحلال الخلقي، وضياع الأخلاق، والتمرد على نظام السماء، ومجاهرة رب العالمين بالمعاصي، والتزهيد في القرآن وفي الرسل، في الوقت الذي لا ينتفعون من مائها الزلال وقوتها المادية شيئا ! ! فإنا لله وإنا إليه راجعون من عاقل يأخذ السم ويترك الماء، فهذا من طمس البصائر لا يعلمه إلا من رآه ؛ ولذا قال تعالى : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ٣٠ [ الأنفال : الآية ٣٠ ] مكرهم : هو ما أرادوا من قتل النبي صلى الله عليه وسلم بعدما أجمعوا عليه، وتفرق دمه في قبائل قريش. ومكر الله : هو أن نجاه منهم، وأنقذه منهم، وأدخله في الغار لحكمة يعلمها ( جل وعلا ). مع أنه قادر على أن يهلكهم بالجنود، ومع أنه مختف منهم في الغار، فجنود السماء حوله تحوطه لا يقدر أحد أن يأتيه، كما سيأتي في براءة في قوله : إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها [ التوبة : الآية ٤٠ ] تلك الجنود يعلمها الله ويراها، والناس لا يرونها ؛ فالكفار لا يقدرون على شيء معها، ولكن الله أمره بهذه الأسباب، مع أن جنود الملائكة تحوطه لحكمة يعلمها هو ( جل وعلا ). وهذا معنى قوله : والله جل وعلا خير الماكرين لأن مكره بالغ من الجمال ما لا يخفى ؛ لأنه لا يوصل الشر فيه إلا لمن يستحق الشر،
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير