٣٠ - قوله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا هذه الآية راجعة إلى قوله: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ [مُسْتَضْعَفُونَ] (١) يذكرهم الله عز وجل حالهم بمكة ونعمته على رسوله بإبطاله مكر المشركين، وهذه السورة مدنية، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم من المفسرين: إن مشركي قريش توامروا (٢) في دار الندوة فقال بعضهم: قيدوه نتربص به ريب المنون، وقال بعضهم: أخرجوه عنكم تستريحوا من أذاه لكم، قال أبو جهل: ما هذا برأي ولكن اقتلوه بأن يجتمع عليه من كل بطن رجل فيضربونه (٣) بأسيافهم ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل فلا تقوى بنو هاشم على حرب قريش كلها، فيرضون بأخذ الدية، وأوحى الله عز وجل إلى نبيه بذلك وأذن له بالخروج إلى المدينة فخرج إلى الغار، فذلك قوله: لِيُثْبِتُوكَ (٤).
(٢) هكذا في جميع النسخ، وهي لغة في تآمروا، قال مسجد الدين الجزري: آمروا النساء في أنفسهن: أي شاوروهن في تزويجهن، ويقال فيه: (وامرته، وليس بفصيح). "النهاية في غريب الحديث" (أمر) ١/ ٦٦.
(٣) هكذا في جميع النسخ، والصواب: فيضربوه؛ لأنه معطوف على منصوب.
(٤) هذا معنى أثر رواه عن ابن عباس، الإمام ابن إسحاق كما في "سيرة ابن هشام" ٢/ ٩٣، وأحمد ١/ ٣٤٨، وابن جرير ٩/ ٢٢٦، والثعلبي ٦/ ٥٥ أ، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٧/ ١٠٠. فيه عثمان بن عمرو والجزري، وثقه ابن حبان وضعفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح اهـ.
وقد روى قضية حصار بيت النبي - ﷺ - ومحاولة قتله ودخوله الغار الإمام أحمد =
قال ابن عباس ومجاهد ومقسم (١) وقتادة: (ليوثقوك ويشدوك) (٢)، وكل من شُّد فقد أُثبت؛ لأنه لا يقدر على الحركة، ومن هذا يقال لمن اشتدت به علة أو جراحة منعته الحركة: قد أُثبت فلان فهو مثبت.
وقال عطاء وعبد الله بن كثير (٣) وابن زيد: (ليسجنوك) (٤)، وهو لفظ الفراء (٥) والزجاج (٦) وابن قتيبة (٧) وابن الأنباري، قال أبو بكر: يريد: ليثبتوك في بيت، فحذف المحل لوضوح معناه.
وقوله تعالى: أَوْ يَقْتُلُوكَ أي: بأجمعهم قتلة رجل واحد كما قال اللعين أبو جهل، أَوْ يُخْرِجُوكَ أي: من مكة إلى طرف من أطراف الأرض.
وانظر: قول قتادة ومجاهد وغيرهما في "تفسير ابن جرير" ٩/ ٢٢٦ - ٢٣٠، وابن أبي حاتم ٣/ ٢٣٩، ٢٤٠، و" الدر المنثور" ٤/ ٥٠ - ٥٣.
(١) تقدمت ترجمته.
(٢) رواه عنهم ابن جرير ٩/ ٢٢٦، والثعلبي ٦/ ٥٦ أ، وقد جمع الواحدي بين قولين، فقتادة يقول: ليشدوك، وغيره يقول: ليوثقوك. والقولان بمعنى واحد.
(٣) هو: عبد الله بن كثير بن عمرو بن عبد الله الداري المكي الإمام العلم، مقرئ مكة، وأحد القراء السبعة، كان ثقة فصيحًا واعظًا كبير الشأن، مات سنة ١٢٠ هـ.
انظر: "سير أعلام النبلاء" ٥/ ٣١٨، و"معرفة القراء الكبار" ١/ ٨٦، و"غاية النهاية في طبقات القراء" ١/ ٤٤٣.
(٤) رواه عنهم ابن جرير ٩/ ٢٢٦، ورواه عن عطاء وابن كثير الإمام ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٨٨، والثعلبي ٦/ ٥٦ أ.
(٥) "معاني القرآن" ١/ ٤٠٩، ولفظه: ليحبسوك في البيت.
(٦) لم يتطرق الزجاج لتفسير الكلمة في كتابه "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٤١٠، ولم أجد من ذكره عنه.
(٧) "تفسير غريب القرآن" ص ١٨٩.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي