وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين٣٠ وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين [ الأنفال : ٣٠ ٣١ ].
تفسير المفردات : ليثبتوك : أي ليشدوك بالوثائق ويرهقوك بالقيد والحبس حتى لا تقدر على الحركة، والمكر : هو التدبير الخفي لإيصال المكروه إلى الممكور به من حيث لا يحتسب، والغالب أن يكون فيما يسوء ويذم من الكذب والحيل، وإذا نسب إلى الله كان من المشاكلة في الكلام بتسمية خيبة المسعى في مكرهم أو مجازاتهم عليه باسمه.
المعنى الجملي : لما ذكر المؤمنين عامة بنعمه عليم بقوله : واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض ذكر هنا نعمه على رسوله خاصة بدفع كيد المشركين ومكر الماكرين بنصره عليهم وخيبة مسعاهم في إيقاع الأذى به بعد أن تآمروا عليه وقطعوا برأي معين فيه.
الإيضاح : وإذ يمكر بك الذين كفروا أي واذكر أيها الرسول نعمته تعالى عليك في ذلك الزمن القريب الذي يمكر بك فيه قومك الذين كفروا بما يدبرون في السر من وسائل الإيقاع بك، فإن في ذلك القصص على المؤمنين والكافرين في عهدك ومن بعدك لأكبر الحجج على صدق دعوتك ووعد ربك بنصرتك.
ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك أي إن كلمتهم قد اتفقت على إيقاع الأذى بك بإحدى خلال ثلاث : إما الحبس الذي يمنعك من لقاء الناس ودعوتهم إلى الإسلام، وإما القتل بطريق لا يكون ضررها عظيما عليهم كما سيأتي، وإما الإخراج والنفي من الوطن.
وقد روي أن أبا طالب قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ما يأتمر بك قومك ؟ قال :( يريدون أن يسجنوني أو يقتلوني أو يخرجوني )، قال من حدثك بهذا ؟ ( قال ربي )، قال نعم الرب فاستوص به خيرا. قال أنا أستوصي ؟ ( بل هو يستوصي بي ) فنزلت : وإذ يمكر بك الذين كفروا الآية.
وقد تحدثوا بهذا الحديث فسمعه أبو طالب فبلغه للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن إجماع الرأي عليه والشروع في تنفيذه قد وقع بعد موت أبي طالب.
ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين أي إن دأبهم معكم ومع من اتبعك من المؤمنين تدبير الأذى لكم والله محبط ما دبروا، فقد أخرجك من بينهم إلى دار الهجرة، ووطن السلطان والقوة، والله خير الماكرين، لأن مكره نصر للحق، وإعزاز لأهله، وخذلان للباطل وحزبه.
وفي الآية إيماء إلى أن هذه حالهم الدائمة في معاملته صلى الله عليه وسلم ومن تبعه من المؤمنين.
وحديث ذلك المكر الذي ترتبت عليه الهجرة إلى المدينة، وبها ظهر الإسلام وخذل الشرك روي من طرق عدة أقربها رواية ابن إسحاق في سيرته قال :
إن نفرا من قريش ومن أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة واعتراضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا من أنت ؟ قال شيخ من أهل نجد : سمعت بما اجتمعتم له فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم مني رأي ونصح، قالوا أجل فادخل، فدخل معهم، فقال : انظروا في شأن هذا الرجل فوالله ليوشكن أن يؤاتيكم في أمركم بأمره، فقال قائل : احبسوه في وثاق ثم تربصوا به المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء : زهير والنابغة فإنما هو كأحدهم، فقال عدو الله الشيخ النجدي لا والله ما هذا لكم برأي والله ليخرجن رائد من محسبه لأصحابه فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم ثم يمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم، فانظروا في غير هذا الرأي، فقال قائل : فأخرجوه من بين أظهركم فاستريحوا منه، فإذا خرج لم يضركم ما صنع وأين وقع، وإذا غاب عنكم أذاه استرحتم منه، فإنه إذا خرج لم يضركم ما صنع وكان أمره في غيركم، فقال الشيخ النجدي : لا والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله وطلاقة لسانه وأخذه للقلوب بما تسمع من حديثه، والله لئن فعلتم ثم استعرض العرب لتجمعن إليه ليسيرن إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم، قالوا صدق والله، فانظروا رأيا غير هذا فقال أبو جهل : والله لأشيرن عليكم برأي لا أرى غيره قالوا وما هذا ؟ قال نأخذ من كل قبيلة غلاما وسطا شابا نهدا ثم يعطي كل غلام منهم سيفا صارما ثم يضربونه به ضربة رجل واحد، فإذا قتلتموه تفرق دمه في القبائل كلها، فلا أظن هذا الحي من بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلهم، وإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل " الدية " واسترحنا وقطعنا عنا أذاه، فقال الشيخ النجدي : هذا والله هو الرأي، القول ما قال الفتى لا أرى غيره وتفرقوا على ذلك وهم مجتمعون له، فأتى جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره ألا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه وأخبره بمكر القوم، فلم يبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته تلك الليلة وأذن الله له عند ذلك في الخروج وأمره وصحبه بالهجرة. وافترض عليهم القتال فأنزل : أذن للذين يقاتلون [ الحج : ٣٩ ] الآيتين فكان أول ما أنزل في الحرب وأنزل بعد قومه المدينة يذكره نعمته عليه.
وإذ يمكر بك الذين كفروا الآيتين.
ولما قص عليهم مكرهم في ذات محمد قص علينا مكرهم في دين محمد فقال : وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا .
المعنى الجملي : لما ذكر المؤمنين عامة بنعمه عليم بقوله : واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض ذكر هنا نعمه على رسوله خاصة بدفع كيد المشركين ومكر الماكرين بنصره عليهم وخيبة مسعاهم في إيقاع الأذى به بعد أن تآمروا عليه وقطعوا برأي معين فيه.
تفسير المراغي
المراغي